» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

البِطَانَةُ الصَّالحةُ

الإنسانُ في حياته العمليّة سواءَ أكان رئيساً أَمْ مرؤوساً ، مأموراً أَمْ آمراً ، لا بدَّ أن يكون له أصحاب يُقرِّبهم إليه ، ويستأنسُ بهم ، ويُشاورهم في كثيرٍ من أموره ، وهؤلاء هم بِطَانتُه ، وقد غَلَبَ استعمال لفظ (البِطَانة) مع الأمراء ، وفسّر ابن حجر البِطَانة : بالدُّخلاء ، جمع دَخِيل : (وهو الذي يدخلُ على الرَّئيس في مكان خَلْوَته ، يُفضي إليه بسرِّه ، ويُصْدِقه فيما يُخبره به مما يَخْفَى عليه من أمر رعيَّته ، ويعمل بمقتضاه).

وكثيراً ما نقرأ في التَّاريخ والسِيَر ونرى في مجتمعاتنا وتعاملاتنا اليومية من يَزِلّ زَلَّات استدرجته إليها بِطَانة فاسدة ، زيَّنت له الباطل ، وحجبت الحقَّ عن عينيه .

إنَّ مسؤولية الإنسان تبدأُ من حُسْنِ الاختيار للأصحاب، فالصاحبُ دليل على صاحبه ، إذ أنَّ النُّفوس المتماثلةَ تتجاذبُ فيما بينها كما بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : (المرءُ على دين خليلِهِ ، فَلْيَنْظُر أحدُكُم من يُخَالِل)، لأنَّ أَيَّة صُحبة لا تخلُو من تأثيرٍ وتأثّر ، وقد كان سَلَفُ الأُمَّة يَحرِصون على الأُنس بالجليس الصَّالح ، والصاحب التقيّ ، الذي يُعِينُ على الخير ، ويُزيل وَحْشَة الغُربة ، وقد ورد عن عَلْقَمَةَ أنّه حين قَدِمَ الشَّام غريباً دعا الله تعالى بقوله : (اللهم يسرّ لي جليساً صالحاً) ، وذلك لأنّ الجليس الصَّالح يُذكّر حين الغَفْلة ، ويُعِينُ بالرَّأي والمشورة في المَلَمَّات .

والرسولُ صلوات الله وسلامه عليه بيَّن أنّه ما من نبيٍّ ولا خليفة إلا ويقعُ بين دواعي بِطَانتين: فقال صلوات الله وسلامه عليه : (ما بَعَثَ الله من نبيٍّ ولا استخْلَفَ من خليفةٍ إلا كانت له بِطَانتان : بِطَانةٌ تأمرُه بالمعروفِ وتحضُّه عليه ، وبِطَانةٌ تأمرُه بالشرِّ وتحضُّه عليه) ، وفي رواية : (وبِطَانةٌ لا تَأْلُوه خَبَالاً) ، وإذا أراد الإنسان أن يحتاطَ لأمر دينه ، وأن يتَّقيَ الله في أعمالِه ومَهَامِه ، فعليه أن يُسارعَ إلى الأخذ بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم باختيار صالحي المؤمنين في البِطَانة : (لا تُصاحِبْ إلا مؤمناً) ثم يُتابع ما يراه من حِرصِ البِطَانة على جَلْب الخير لصالح الدِّين والدُّنيا ، وعلى اتّقاءِ الإساءة إليه في المشُورة وفي التَّعامل مع الآخرين ، لأنّ أفضلهم صُحبة وبِطَانة كما في الحديث النبويّ أكثرهم حِرصاً على إسداء النُّصح وجَلْب الخير والسُّمْعة الطَّيبة : (خيرُ الأصحاب عند الله خيرُهُم لصاحبه) .

وأولى النَّاس بالتقريب والمشُورة والنُّصح في البِطانة هم أهل العلم والصَّلاح ، ولذلك فقد كانت بِطانةُ عمر رضي الله عنه من القُرَّاء ، وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال: (كان القرَّاءُ أصحابَ مجالس عُمَرَ ومشاورتِهِ -كهولاً كانوا أو شباباً-) ، وكلّما كانوا من أهل العلم والتّقوى والصَّلاح كان الإنسان ببطانته أبعد عن الزَّلل بإذن الله تعالى وتوفيقه ، وقد توَّج الإمام البخاريّ أحد أبواب صحيحه بقوله: (وكانت الأئمةُ بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأُمناء من أهل العلم..) ، وفي فاتحة باب آخر يُنقل عن الإمام عليٍّ رضي الله عنه وشُريحٍ القاضي رحمه الله تعالى قولهما في المرأة التي تدَّعي أنها حاضت في شهرٍ ثلاثاً : (إنْ جاءت ببيِّنة من بِطَانة أهلها - ممن يُرضى دينه - .. صُدِّقت).

فالمقياسُ والمعيَارُ الحقيقيُّ في البِطَانة الصالحة صلاحُ الدِّين والتَّقوى والأمانة ، وليست معايير البِطَانة الصالحة الخُبْث والدهاء والمنفعة الماديّة الشخصيّة والذوبان في شخصية الصاحب .

إنَّ كتمانَ العيوبِ والزَّلات عن الصَّاحب خيانةٌ ، والكيدُ لِوَقِيعةِ من اصطفاه الإنسانُ ليكونَ في بِطَانته جريمةٌ ، فقد استعاذ رسولنا صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله : (وأعوذ بك من الخيانة فإنها بِئْسَتِ البطانة) ، وحين سَأل ابنُ مسعود رضي الله عنه عن أيّام الهَرَجِ متى تكون ؟ أجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبرز فتن هذه الأيام ، فقال: (حين لا يَأمنُ الرَّجل جليسَه) ، فَأَمْرُ البِطَانة الصَّالحة يحتاجُ إلى التحرِّي والاصطفاءِ البعيد عن الهوى ، حتى يجدَ المرء من يأمنه، ومن يطمئن لصُحبته ومشورته .

ومن مزايا البِطَانة الصَّالحة أنها تَحُول دون الشرِّ الكبير ، وتحضُّ على الخير الكثير ، ومن خطورة البِطَانة الفاسدة أنها تُحَسِّن القبيح، أو تُقَبِّح الحَسَن وذلك بالوسوسة والتَّظاهر بالإخلاص ، وقد وصف أَشْهَبُ بطانة الحاكم بقوله: (وليكن ثقةً مأموناً فَطِناً عاقلاً ، لأنّ المصيبة إنما تَدخلُ على الحاكم المأمونِ من قَبُولِه قولَ من لا يُوثَق به ، إذا كان هو حَسَّن الظنَّ به ، فيجب عليه أن يتثبَّت في مثل ذلك) .

وفي واقعنا الاجتماعيّ نرى في كثيرٍ من الشَّرائح الاجتماعيّة والمهنيّة أُناساً كثيرين خاصموا وَفَجَرُوا وقاطعوا وهجروا وظلموا .. بتحريضِ بِطَانة حرَّكت الغضب والحِقد للذَّات ، وأَبْدَت الحِرصَ رياءً على أصحابهم والهُيام فيهم أكثر من إعجابهم بأنفسهم ، فاستعظموا نفوسَهم، وسقطُوا في شباك وساوس شياطين الإنس ، فعادوا النَّاس وخاصمُوهم وظلمُوهم ، وكلّ ذلك مبعثُه البِطَانة الفاسدة والجلساء الفاسدون الذين يَنِمُّون ويستغيبون ويأكُلون لحومَ النَّاس طَمَعاً بالتَّقرُّب والمنفعة الشخصيّة أو إشباعاً لغرائزِ الحقد والحسد من نجاحات الآخرين ... وهذا واقعٌ مُعَاش ، وهو واقعٌ يَنخر في أساس مجتمعنا ويكاد أن يقوِّضه ، ومَرَدُّ ذلك كلّه إلى فقدان القِيَم الخُلُقيّة والدينيّة واتِّباع الهوى ، وتفشِّي الغِلّ والتَّحَاسُد والتَّناحر .

إنّ البِطَانة الصَّالحة يجب أن تكون كَحَمَلَة المسك ، ريحٌ طيِّبةٌ وأَثَرٌ صالح ، طِيبٌ وصَلاحٌ نجدهما مع كلمة الحقِّ الصريحة والمشورةِ السَّديدة النابعةِ من الأمانة والصِّدق والإخلاص، والتي يجب أن تلقى تجاوبًا وتقديرًا ، لأنَّ مبعثَها الإخلاص للحقِّ ، وإنَّ من ثمراتِ البِطانة الصالحة : المشورة بالرُّشد والسّداد للرأي ، لأنّ الأصل في المستشار الأمانة ، والإشارة بالأصلح ، لقوله صلى الله عليه وسلم: (المستشارُ مؤتمن) ، وفي الحديث : (من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رُشدٍ فقد خانه) ، فلننظر فيمن وَثِقْنا ، وبمن استرشدنا ، لأنّ كلّ امرئٍ يُحشر مع بِطَانته المختارة (المرءُ مع من أَحبّ) كما أخبر صلى الله عليه وسلم .

ومن بركة البِطَانة الصالحة أنها سبب لأن تعمّ الرحمة والخير والمودّة والتآلف بيننا ، فقد جاء في الحديث أنّ الله يُشهد ملائكته بأنّه يغفر لقوم جلسوا يذكرون الله ، فيقول مَلَكٌ : فيهم فلانٌ ليس منهم وإنما جاء لحاجة ، فيقول الله عزّ وجلّ: (هُمُ الجُلساء ، لا يَشقى بهم جليسِهم) ، وتلك من بركاتِ الصحبة وبِطَانة أهل الخير.

إنْ كان للواحد منا بِطَانة فلْيُحْسِن اختيارها ، ويعمل بما يشيرون عليه من الخير ، وإنْ كنا بِطَانة لغيرنا فلنكن صريحين صادقين أمناء لا نُعطي المشورة إلا بصدقٍ وأمانة وإخلاص ، وبالتزام خُلُق (اصطفاء البِطَانة الصَّالحة) تسقط الأقنعة الكاذبة ، وتتكشَّف الحقائق ، ويتميّز كلّ فريق بأهل ودِّه وأصحاب خِلَّته ، فلننظر من نُخَالِل ونُشاور ومن نأتمن .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com