» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

محمدٌ صلى الله عليه وسلم

الرحمةُ المُهْدَاةُ للعالمين

إنّ رحمة النبي صلى الله عليه وسلم تُعد من أهمّ الملامح الأساسيّة في شخصيته وفي دعوته، ومن صميم شخصيته رسولاً ونبيّاً ومُبَلِّغاً عن ربّه وهادياً للنّاس ، وحينما نقرأ قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ، وعندما نقف أمام هذه الآية لا يَسَعُنا إلا نُدْرك سَعَة رحمة هذا النبيّ الكريم ، وكيف كان صلى الله عليه وسلم يَفِيضُ رحمةً في خُلُقِه وسلوكه وأدبه وشمائله ، ونُدرك أيضاً التناسبَ والتآلفَ في أرقى مستوياته بين الرِّسالة والرسول في هذه الرحمة ، حتى أننا لا نتصورُ أن يحمل عبء بلاغ هذه الرَّحمة إلى العالمين إلا رسولٌ رحيمٌ ذو رحمةٍ عامّةٍ شاملةٍ فيَّاضة طُبع عليها ذوقه ووجدانه ، وصِيغ بها قلبه وفطرته يقول تعالى : {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فهو مثلٌ أعلى للرَّحمة الإلهيّة ، لذلك وصفه الله تعالى بأنّه رؤوفٌ رحيم.

لقد أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين، رحمةً شاملةً للوجود بأجمعه ، ويستطيع المؤمنون الاستفادة من الرَّحمة التي كان يمثلها النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ذلك لأنّه {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } ، ويستطيع الكافرون والمنافقون أيضاً إلى جانب المؤمنين الاستفادة من هذه الرَّحمة كذلك ، فعندما قيل له : اُدْعُ على المشركين قال صلى الله عليه وسلم : (إني لم أُبعث لعّانًا، وإنما بُعثت رحمة).

كما أنّ رحمته شملت أسرته وأمّته وأصحابه ، فقد كان صلى الله عليه وسلم خير النّاس وخيرهم لأهله وخيرهم لأمّته ، من طِيب كلامه ، وحُسْنِ معاشرة زوجاته بالإكرام والاحترام ، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (خيرُكم خيرُكم لأهله وأنا خيرُكم لأهلي)، كما أنّه في تعامله مع أهله وزوجه كان يُحسن إليهم ، ويرأفُ بهم ، ويتلطّف إليهم ، ويتودّد إليهم ، فكان يُمازحُ أهله ويُلاطفهم ويُداعبهم ، وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً بالجميع ، بل إنه يسمع بكاءَ الصبيّ فيُسرِعُ في الصلاة مخافةَ أن تفتتن أُمّه ، وكان صلى الله عليه وسلم يمرُّ بالصِّبيان فيسلِّم عليهم ، وجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما ، وهما ابنا ابنته فاطمة عليها السلام وهو يخطب في النّاس فجعلا يمشيان ويَعْثَرَان فَنَزل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن المنبر ، فحملهما حتى وضعهما بين يديه ، ثم قال صدق الله ورسوله : {إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ واللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان فَيَعْثَران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.

فرحمةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم جعلته لطيفاً رحيماً ، فلم يكن فاحشاً ولا متفحّشاً ، ولا صخّاباً في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، بل إن سيدنا أنس رضي الله عنه قال : (خدمتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، والله ما قال أفّ قَطُّ، ولا قال لشيءٍ لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا) ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً له ، ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئاً قَطُّ إلا أن يجاهد في سبيل الله) ، وفي رواية : (ما ضرب رسول الله شيئًا قَطُّ بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله) ، ولذلك قال فيه القرآن الكريم : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشاورهم في الأمر} ، فقد كان منهجه الرحمة بالعباد والتخفيف من الإِصْرِ والأغلال التي عليهم ، وهو في هذا يقول صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمُكم من في السماء) .

وتتجلّى رحمتُه صلى الله عليه وسلم بالمذنبين ، وبمن لا يعرفون كيف تُقضى الأمور فيعفو ويصفح ويُعَلِّم ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابيٌّ فقام يَبُولُ في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَه مَه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تُزْرِمُوهُ ، دعوه) ، فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) ، قال : فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فَشَنّه عليه .

كانت رحمة النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل غضبه ، بل إنّه في الحرب كان يُقاتل بشجاعة، ولكنه أيضاً كان صاحبَ شفقة عظيمة ، كان سياسيّاً ، ولكنه في الوقت نفسه صاحب مروءة كبيرة وقلب كبير ، ففي غزوة أُحُد استشهد عمّه حمزة أسد الله ورسوله رضي الله عنه، ومُزّق جسده تمزيقاً ، كما مُزّق جسد ابن عمّته عبد الله بن جحش تمزيقاً ، وشُجّ رأسه المبارك صلى الله عليه وسلم ، وكُسِرت رباعيّته ، وغطّى الدّم جسده الشريف ، وبينما كان المشركون جادّين في حملتهم لقتله كان أكثر رحمة بهم ، وكان يدعو: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ، فهل يوجد أرحم من محمّد في مثل هذه اللّحظات ، وفي فتح مكّة نرى كيف تعامل مع من أخرجوه وظاهروا على إخراجه وإيذائه ؟ وكيف تعامل مع من حاصروه في شُعَبِ أبي طالب وتسبَّبوا في وفاة أحبّ زوجاته إليه خديجة الكبرى رضي الله عنها ، وفي وفاة عمّه أبي طالب ؟ فكيف كانت معاملته لأهل مكّة بعد كل هذا التاريخ المملوء عداوة وبُغْضاً ؟ لقد دخل مكّة بعشرة آلاف مقاتل ، دخل على مركبه ، والدّرع على صدره ، والمغفّر على رأسه ، والسيف في يده ، والنبال على ظهره ، ولكنه مع كل مظاهر لباس الحرب هذه كان أُنموذجاً للرَّحمة ، سأل أهل مكة: (ما تَرَوْن أنّي فاعلٌ بكم؟ ) ، فأجابوه: (خيراً أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريم) ، فقال لهم ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: (لا تثريبَ عليكم اليوم ، يَغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ، لقد قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء) .

هذا هو محمّدٌ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهذه رحمته التي شَمَلَت كلّ النّاس ، واستمرت دستوراً هادياً إلى أن تقوم السّاعة ، وليست تلك الرَّحمة الكاذبة التي تأتي كَرُدُود أفعال من أُناس يُؤمنون ببعض الكتاب ويَكْفُرون ببعض ، كما أنّها ليست تلك الرّحمة ذات الوجهين التي تُطبّق على البعض ويُحْرَم منها البعض ، كما نراه في كثير من الشخصيات والنُّظُم والقوانين الدوليّة والمحليّة التي تُحاكم البعض وتستثني آخرين ، أو تلك المؤسسات والشخصيّات التي تَرْأَف وتَرْحم الحيوان ، ولكنها تُشَرِّع ظُلم الإنسان لأخيه الإنسان.

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com