» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

في رحاب المولد النبويّ الشريف

في شهر ربيعٍ الأول أَنْعَمَ الله على الدّنيا كلّها بمولد خَاتَم رسله وأنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمةً للعالمين ، وشـاهدا ًبين النّاس بالحقّ ، ومُبشراً لأهل العدل والإيمان ، ونذيراً لأهل الشرِّ والظُلم والعُدوان ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، وفي يوم مولد الرسول المصطفى من كلّ عامٍ ، اعتدنا نحن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أن نلتقي في رحاب نبيّنا الكريم عليه الصلاة والسلام نتزوَّدُ من سيرته العَطِرَة ، ونتأسّى بخُلُقِه العظيم ، مجدِّدين إيماننا بالرسـالة الخالدة التي خَتم الله بها كلماته الهادية لأهل الأرض ، وتوَّج بها مسيرة الخير والعدل والسَّلام أفضل تتويج .

ولا يشكّ عاقل صادق الحبّ بأنّ الاحتفال بالمولد النبويّ الشريف هو احتفاءٌ بصاحب الذِّكرى والاحتفاء به صلى الله عليه وسلم أمر مقطوع بمشروعيته وهو من التدليل على محبة النبي صلى الله عليه وسلم والتعلق بجنابه الشريف العالي والذي ورد في القرآن الكريم وصفه والثناء عليه إجمالاً وتفصيلاً فقال الله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، قال الإمام الرازيّ في تفسيره: (واعلم أنّه عامّ في كل ما ذكروه من النبوة وشهرته في الأرض والسماء ، اسمه مكتوب على العرش ، وأنه يذكر معه في الشهادة والتشهد ، وأنه تعالى ذكره في الكتب المتقدمة ، وأنه صلى الله عليه وسلم ينتشر ذكره في الآفاق وأنّه خُتمت به النبوّة ، وأنّه يُذكر في الخُطب والأذان ومفاتيح الرسائل وعند الخَتْم ... وجعله في القلوب بحيث يستطيبون ذكره وهو معنى قوله تعالـى: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.

نعم ... شهر ربيع الأول من كلّ سنة موسمٌ من أعظم مواسمِ الخير يتسابقُ فيه الموفَّقون ويتبارى فيه المُفلحون وينتشر فيه البشر ويعمّ الفرح قلوب المؤمنين ، وتُقام الاحتفالات الدينيّة في المساجد والأسواق والبيوت يقرءون قصة المولد الشريف فيستذكرون بها شيئاً من سيرته وشمائله وأخلاقه صلى الله عليه وسلم ، ولا يُنكر العلماء شيئاً من هذه الأعمال، بل يَرَوْن فيها البِرَّ والتقوى ويرجون لمن حَسُنَت نيّته فيها من الله تعالى المثوبة والأجر.

لقد أرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالشريعة السَّمْحاء وبالهدى ودين الحقّ ليُظْهِره على الدِّين كلّه قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} ، ووصف الله عزَّ وجلّ كتاب هذه الشريعة السَّمحاء بالنُّور المُبِين فقال تعالى : {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، وَوَصَفَ الله عزَّ وجل طاعةَ رسـوله بأنّها من طاعته تعالى فقال سبحانه : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} ، وَوَصَف الخالقُ عزَّ وجلَّ أن اتِّبَاعه صلى الله عليه وسلم يُؤدي إلى محبَّة الله عزَّ وجلّ فقال تعالى : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

لقد جاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :

1- بالشريعة التي من أهمِّ مقاصدها رعاية مصالح النَّاس في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكان فحيثما تكون المصلحة يكون حُكمها وحيثما تَنْتَفِي المصلحة ينتفي حُكمها .

2- بالشريعة التي تقوم أحكامها على اليُسْر لا على العُسْر ، وعلى السَّـعَة لا على التضييق ، وعلى التفاؤل لا على التشاؤم ، وعلى الفِطْرة السَّمْحاء وليس على العصبيّة العمياء ، ويكفي للدلالة على ذلك قول الله عزَّ وجلّ : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، وقوله تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً} .

3- بالشريعة التي تقوم أحكامها على صيانة النُّفوس وصيانة الأموال وصيانة الأَعْرَاض ، واعتبرت من يقتل نَفْساً واحدة ظُلماً وعُدواناً فكأنّما قتل النَّاس جميعاً ، ومن يُنقذ نَفْساً إنسانيّة بأن يتسبب في إنقاذها فكأنّه قد أنقذَ النّاس جميعاً فقال تعالى : {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}، أيّ : وَمَن تَسَبَّبَ في إحيائها.

4- بالشريعة التي تقوم أحكامها على التّسامح مع المُخطئ الذي يعترفُ بخطيئته ثمّ يتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبةً صادقةً ثمّ يردُّ المظالم إلى أصحابها ، قال تعالى : {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} .

5- بالشريعة التي تَصُون كرامة الإنسان وتصون أَعْراض النَّاس ، تصونهم من كلِّ ما يلحق الأذى بهم ، تصون الرِّجال وتصونُ النِّساء وتحمي أعراضهم من الإساءة إليها .

6- بالشريعة التي تأمر أتباعها أن يُقاوموا الظُّلم حتى يندحرَ ، وأن يقفوا إلى جانب المظلوم حتى ينتصر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نُصْرَة المظلوم : (من مشى مع مظلومٍ حتى يُثْبِت له حقّه ثَبَّتَ الله قدميه يومَ تزلُّ الأقدام) .

إنّ احتفالنا بذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة إلى العالمين يَفرِض علينا التمسُّك بأَهْداب ديننا الحنيف ، وأن يكون احتفالنا بهذه الذكرى العظيمة موصولاً بحاضر الأمّة الإسلاميّة ومستقبلها وبالتحدِّيات التي تواجهها والمتغيِّرات التي تمرُّ بها، وأن نستمدَّ من سيرة رسولنا الكريم ما يُمَكِّننا من مواجهة هذه التحديَّات والتغلب على تلك الصعاب في إطار من التمسّك بالسَّماحة التي قام عليها ديننا الحنيف ، وأن نُصَحِّح الكثير من المفاهيم الخاطئة والمشوَّهة التي تستهدفُ زُوراً وبُهتاناً رسالة الإسلام السَّمْحة القائمةِ على العدل والوسطيّة والتَّسامح والاعتدال ، وأن نُعزِّزَ الوعي عند أجيالنا بأنّنا مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى عن تطوير أُمَّتِنا والحفاظ عليها والنهوض بها وتحقيق موقعها الرياديِّ الوسطيِّ بين الأُمَم وتفوّقها ، وعن تجنيبها العَثَرَات والكَبَوَات لتكون خيرَ أُمة أُخرجت للنَّاس بتمسُّكِها بأحكام وَقِيَم هذا الدِّين الحنيف .

رئيس المحاكم الشرعية السنيّة في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com