» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة

القِيَمُ والفضائل الإسلاميّة السَّمْحة التي نتحلى بها نابعة من تراثنا ومن ديننا، فالقِيَم الروحيّة والتقاليد الدينيّة هي التي تحكم حياتنا وتوجه سلوكنا وتكسبنا ما نحن بحاجة إليه اليوم من تماسك وتعاون وتوحد في الفكر والعمل، وقد ظللنا نتوارث ذلك خلفاً عن سلف، يسلمه الأجداد أمانة للآباء وينتقل من الآباء للأبناء ، ليتركز مع الزمن ويصبح دعامة من دعامات المستقبل المشرق بإذن الله ، وقد ظلّت هذه الأمانة باقية على الزمن طوال هذه القرون تُغذِّي أرواحنا وتبني شخصياتنا وتحافظ على وجودنا ، رغم كلّ نكبات الدهر وظروف الفقر والقهر والطغيان التي تعرضت لها أمتنا في تاريخها الطويل، ظلّت هذه الرُّوح حيّة مُشرقة دون رعاية من حاكم، أو سند من مؤسسة أو جماعة ، ولكنّها كانت تستمدُّ حيويتها وقوَّتها من إيمان النَّاس بأنفسهم وبتراثهم الذي هو مصدر قوّتهم وسبيل بقائهم ، وكانت المساجد وخلايا القرآن الكريم والزوايا مراكز الإشعاع في حياة الناس ، إذ هي التي حفظت للأمة تراثها ، وصانت عقولها وقلوبها من ظلمات الجهل والخرافة ، ورفعت أميّتها في زمانٍ كان الجهل فيه سِمَة العصر، إننا أيها الأخوة مَدينون لبيوت الله وخلايا القرآن بكلِّ ما نحن عليه اليوم من صفات، إذ لولا هذه البقاع الطاهرة التي يشع منها نور العلم على حياتنا، لفقدنا كلّ تراثنا وانفصلنا عن ماضينا ، وصِرنا نهباً للمستعمرين والمتسلِّطين الذين سَعَوا وما يزالون يسعون لتصبح حياتنا صورة من حياتهم مهما بلغت التكاليف.

وما دامت هذه المراكز الروحية هي سرّ بقائنا ومصدر عزّتنا وكرامتنا ، وإليها يرجع الفضل في المحافظة على ماضينا ورعاية تراثنا ، فإننا نريدها في حاضرنا أن تؤدي رسالتها كما فعلت بالأمس ، وأن تزيد على ذلك بأن تصبح سبيلاً لتطوير حياتنا، ودفعنا إلى الأمام على هدى وبصيرة ، حتى يكون تقدمنا نابعاً من أصالتنا ومن تراثنا ، وحتى يشترك الشعب بكلّ طبقاته وأفراده في عملية البناء وتعمير المستقبل، لأنه يحسّ بالدافع من ضميره ومن أعماق أعماقه ، لقد قامت كلّ هذه المساجد والخلايا والزوايا بعد عون الله تعالى بدعم الناس وبإيمانهم بالرسالة العظيمة التي تؤديها هذه الأماكن في حياتهم ، ولكن ظروف الحياة الحديثة جعلت الكثيرين من النّاس خاصةً من الأجيال الناشئة ينصرفون عن هذه المنابع الروحيَّة دون أن يعلموا أنّ روح أُمَّتِهم وسرُّ عظمتها وسبيل بقائها يرتكز على الصلة القويَّة القائمة بين الجماعة والجامع ، فالجامع لم يُسَمَّ الجامع إلا لهذه الصلة القويّة بينه وبين الجماعة ، لأنّه يجمعُ شتات النَّاس ويُوَحِّد ما بينهم حين يجتمعون فيه ، وقد تجرَّدُوا من كلّ شيء إلا الإيمان بالله والعمل لصالح الجماعة ، وعلى هذين الأساسين تقومُ التضحية ونكران الذَّات اللذين هما علامة المواطن الصالح ، فواجبنا اليوم كأُمَّة تسعى إلى تأكيد ذاتها وإبراز وجهها الحضاريّ المُشْرق أن نربط حياتنا أكثر وأكثر بمصدر القُوَّة والإيمان في حياتنا وهو المسجد ، وأن نجعل منه مرة أخرى مركزَ إشعاع في حياتنا مثلما كان في ماضينا ، وأن نستفيدَ منه روحيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً مثلما نستفيدُ من كلّ أَوْجُه النَّشاط الثقافيّ الأخرى في حياتنا ، ولابدَّ أنْ نُعيد ثقتنا بأنفسنا بعد أن شَكَّكَنَا المستعمِرون في ذلك ، ولن نستعيد هذه الثقة بالنَّفس إلا إذا استعدنا ثقتنا بتراثنا وقدرته على صُنع المستقبل، ولن ننجحَ في صنع المستقبل إلا إذا اعتنينا بأدوات المستقبل وهم أطفالنا، ومَلَأْنَا أنفسهم بالثِّقة في ماضي أُمَتهم ، فينشأون وهم فخورون بتُراثهم ، يفكِّرون فيه ويَسْعَوْن لتطويره ، ولكننا لابد أن نَتَطَوَّر مع الزمن ، ونُطَوِّر المساجد ، حتى تجاري تطور الزّمن، وحتى يجد فيها أبناؤنا وشبابنا ما يغريهم بالتّردد عليها والاستفادة من إمكانيّاتها الروحيّة والاجتماعيّة ، فلذلك رأينا أن يكون المسجد حَلَقة وَصْلٍ بين المدرسة والمنزل، وذلك بأنْ نسعى لأن نجعل من المسجد عبارة عن مُجَمَّعٍ لا يقتصر دوره على العبادة فحسب بل يضمُّ روضة الأطفال حتى يعتاد الطفل منذ الصغر على الذهاب للمسجد ، ويضم قاعة الدرس للشباب والشِّيب ، ويضم إلى جانب ذلك مختلف أوجه النشاط الاجتماعيّ والثقافيّ، وبذلك يُسْهِم المسجد في تأكيد القِيَم التي نُنادي بها في مجتمعنا الجديد .

في زمان تشعَّبت فيه بالناس السبل وتنوعت وتكاثفت، وبالتالي تعددت المشاربُ، واختلفت الأذواقُ ، وتباينت العقولُ بِتَبَايُن الاتجاهات وتعددها ، يُصبح لِزاماً على الذي يسعى لمخاطبة النّاس وهم على هذه الحالة من التباين ألّا يكتفي بالمحصول الدينيّ وحده في التصدي لقضايا النّاس ، بل لابد أن يُلِمَّ ما أمكن بمختلف التيّارات العقليّة التي تُؤثر في مجتمعه المعاصر ، وتصوغُ شخصيته، حتى يستطيعَ أن يتفهَّم المشاكل في إطارها الصحيح، وحتى يتمّ التجاوب بينه وبين سامعيه ، لأنّه بذلك يتحدث بِفَهْمٍ عن المشاكل المُلِحَّة التي تهمهم ، والتي يُريدون عنها الإجابة الشافية خاصة من الوجهة الدينيّة .

لم يعد الوعظ التقليديُّ القائم على التخويف والرَّدْع بمجد في زمان تطوَّرت فيه مع تطور الحياة وسائل الإعلام ، وأصبح هدُفها كسب السامعين عن طريق مُخاطبة عقولهم ، والتأثر على عواطفهم بالإقناع القائم على عرض الحقائق ، وقد استدعى كلّ ذلك أن يكون للإمام أو للموجِّه الدينيّ دورٌ في الحياة المعاصرة يختلف عن دوره التقليديّ ، بحيث يُصبح عمله امتداداً واعياً للجُهْد الاجتماعيّ والتثقيفيّ الذي ينتظم مجتمعنا وإضافة حقيقية لمحصول الأمة .

إنّ الدِّين قوةٌ فاعلةٌ في المجتمع لأنّه الأساس الذي تقوم عليه حياةُ الأُمَّة، ولكنه نسبةً لظروف التخلُّف والانحطاط التي تردَّى فيها العالم الإسلاميّ لقرون طويلةٍ قد اضْمَحَلَّ تأثيره على حياة الناس ، لأنّ مُخلَّفات القرون قد تكاثفت حتى حجبت روح الدِّين عن قلوب الناس وعقولهم ، فلم يعودوا يرون منه غير شكلياته ومظاهره الخارجيّة، وكان من أثر ذلك أن ظَلَلْنَا نندفعُ في حياتنا بحُكم العادة ، ونتمسكُ بشعائر الدين بطريقة آلية لا حياة فيها، فنحن رغم هذه المساجد الكثيرة ، ورغم المظاهر الدينيّة التي تزحم حياتنا، إلا أننا لا نجد لها أثراً كبيراً على سلوكنا الخاص والعام ، لأنّ حياتنا فقدت القُدرة على الحركة الذاتيّة، وانطفأت فيها رُوح الاجتهاد والفكر، فَحَدَث الإنفصام في شخصياتنا، فما تؤمن به من دين ، وما نقوم به من عبادة منفصلٌ عما نفعله في واقع حياتنا، هذه الإزدواجيّة في شخصيتنا وحياتنا هي سرُّ انحطاطنا وتخلُّفنا ، ولذلك لابد من توحيد الشخصيّة وتكاملها بحيث يُصبح الفكر والإيمان صورة من العمل، ويصبح العمل صورة للفكر والإيمان ، وبذلك وحده يتحرك المجتمع ويُحدث التَّقدم ، ولا يتم ذلك إلا بالتوعية الرشيدة ، وإثارة الهِمم ، والتركيز على أهمية الدين الصحيح كعُنصر خلاّق في النهضة الاجتماعيّة لأنه يربط العبادة بالعمل.

إنّ مجتمعنا يُعاني من الأميّة الدينيّة ، وبدل أن نضيِّع الوقت والمال في الوعظ المكرور، علينا أن نَصرف الجُهد لتثقيف النَّاس وتعليمهم قِيَم دينهم الخَيِّرة التي تهدفُ إلى صلاح الدنيا والدِّين ، والتي ترمي إلى خلق المواطن الصالح الذي يعمل لدنياه كأنّه يعيش أبداً ويعمل لآخرته كأنّه يموت غداً ، المواطنُ الذي يَقْرِن الدِّين بالدنيا، ويعلم أنّ هدف الدِّين هو صلاحُ الدُّنيا لأنّ القرآن يَقْرِن بين كلّ عبادة وبين العمل الصالح ، وما العمل الصالح الذي يجعله القرآن غاية الغايات إلا تسخير جهود الأفراد لصالح المجموعة .

طالما اقتصرَ عمل المساجد والناشط الدينيّ عامة على شكليات العبادات، دون تهيئة العقول والأرواح للنفاذ إلى ما وراء العبادات من عواطفَ وأحاسيس تحرِّك وجدان الرجل المؤمن، وتدفعه للعمل انطلاقاً من هذه العبادات ، إنّ ما وراء الصلوات حياة نقيّة تحكمها الفضيلة والبُعد عن الفحشاء والمنكر ، وهذا هو هدف الصلاة ، لا الحركات الآلية التي يؤدِّيها المصلّي ، فإنّ الله غنيٌّ عن كلّ صلاة ، وإنما فرضها على عباده لِيَصِلُوا عن طريقها إلى ما يُصلح دنياهم وآخرتهم ، وهكذا الشأن في كلِّ العبادات.

إنّ مهمة المساجد ومهمة القائمين على أمور الدِّين جميعاً أن يصلوا بين الدِّين والدنيا، ويعلموا أنّ غاية الدِّين ليست إعداد الناس للآخرة فحسب ، بل إعدادهم للدُّنيا ، بحيث يُصبحون جديرين بثواب الآخرة ، فإنَّ الآخرة لا تكون إلا بالدنيا إن خيراً فخيرٌ وإنْ شراً فَشَرٌّ ، وعلى هذا الأساس يمكن للدِّين الحقّ أن يكون حقلاً خَصْباً لتنمية المواهب، وتشذيب النفوس ، وتوجيه الطَّاقات للخير والإحسان ، ومعالجة كافة القضايا العصريّة بعقلٍ مُتَفَتِّح ورُوحٍ شجاعة ، وعلينا أنْ نُعد الأئمة والمُرشدين والموجِّهين الذين يستطيعون نقل هذه الرُّوح إلى عقول المواطنين وأرواحهم ، واجب هؤلاء الرجال أن يَسْعَوا إلى إزالة ما علق بروح الدِّين من شوائب، وأن يجلوا الصدأ الذي ران على قلوب النّاس بفعل التَّخلف ، وأن يُفجروا في نفوسهم طاقات الدِّين الخَيِّرة التي هي كامنة في نفوسنا جميعاً، وأنْ يُسَخِّروها لخدمة غايات مجتمعنا الجديد ، فإنّ التقدم الاجتماعيّ الحقيقيّ لا يكتملُ إلا إذا شعر النّاس بأنّه نابعٌ من ضمائرهم ، متجاوبٌ مع أهدافهم ، والتي هي تعبيرٌ عن شخصيّاتهم ، ومتى تَمَّ هذا الربط بين قِيَم النّاس ومشاعرهم وبين العمل الاجتماعيّ، حدث التغيير الإيجابيّ وتحققت خيريّة الأُمَّة .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com