» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة

حياةُ العظماءِ المصلحين مصدرُ إشعاعٍ دائمٍ للرُّوح والفكر، ومنهلٌ عذبٌ للخيرِ والعطاء ، وينبوعٌ فيّاضٌ بالحكمةِ والكمالِ والمعرفة ، تستوحي الأمةُ منها في حاضرِها ومستقبلِ أيامها الإيمانَ الصادق ، والعقيدةَ الراسخة ، والثباتَ على الحق، والأخلاقَ الفاضلة ، والمُثـلَ العليا ، ومعانيَ الكرامةِ والعزة ، حياتهم مدرسةٌ كبرى للإنسانيّة في فكرِها وثقافتها، ومعالمُ وضّاءة لتحقيقِ مبادئ الحقِ والعدالة.

قليلٌ هم أولئك الذين يتسنّمون قممَ الخلودِ والسموِ والعظمة ، وقلةٌ هم أولئك الذين ينفصلون عن مجرياتِ الزمان والمكان ليكونوا ملكاً للحياة ومثلاً أعلى للإنسانية .

أولئك القلةُ هم عظماءُ الحياة ، وأبطالُ الإنسانية ، ولذلك تبقى مسيرةُ الحياةِ ومسيرةُ الإنسانِ مشدودةَ الخُطى نحوهم ... وما أروعَ الشموخَ والسموّ والعظمة إذا كان شموخاً وسمواً وعظمةً من صنعِ الإيمان بالله تعالى ، ومن صياغة ِالتربية النبوية الشريفة.

من هنا كان الخلودُ حقيقةً حيّة لرجالاتِ المبدأ والعقيدةِ والنهوضِ والإصلاح ، ومن هنا كان في دنيا المسلمين تاريخٌ مشرقٌ نابضٌ بالخلود ، وقممٌ من الرجال صنعوا العظمة في تاريخه ، وأضاءوا النورَ في دروب البشرية.

وليس ثمةَ في الأمةِ من يساوي أهل بيتِ النبوة عليهم السلام في عظمتِهم وفضلِهم ، ولا يباريهم في شرفِهم ونسبِهم ، ولا يرتفعُ إليهم في مقامِهم ومكانتهم :

يقول تعالى : {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} ، جاء في المستدرك على الصحيحين عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : عندما نزلت آية : {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : (هؤلاء أهل بيتي ، اللهمَّ فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) .

وجمهور العلماء يَرَوْن أنّ هذه الآية الكريمة منبعُ فضائلِ أهل البيت لاشتمالها على غررِ مآثرهم واعتناءِ الباري عز وجل بهم حيث أنزلها في حقهم .

ويقول تعالى : { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ، روى الإمام أحمد والطبرانيّ وابن أبي حاتم والواحديّ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله من قرابتُك الذين وجبتْ علينا مودتُهم ؟ قال : عليّ وفاطمة وأبناؤهما .

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ، ثم قال : (فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربي فأجيب ، وأنا تاركٌ فيكم كتابَ الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتابِ الله واستمسكوا به ، وأهلَ بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي) .

وفي رواية الإمام الترمذيّ : (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر ، كتابُ الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما) .

وروى الترمذيّ والحاكم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة ، وأحبوني بحب الله ، وأحبوا أهل بيتي بحبي ) .

وروى الديلميّ عن الإمام عليّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أثبتكم على الصراطِ أشدُّكم حبّاً لأهل بيتي وأصحابي ) .

روى الإمام البخاريّ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : (ارقبوا محمداً في أهل بيته ، والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ إليّ من قرابتي ).

وروى الدارقطنيّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ( تحببوا إلى الأشراف وتوددوا ، واتقوا على أعراضِكم من السَّفلة ، واعلموا أنه لا يتم شرفٌ إلا بولاية عليّ بن أبي طالب ).

والحديث أيها السادة عن أهلِ البيت حديثٌ قديمٌ جديد ، فمنذ صدرِ الإسلام ، وإلى يومنا هذا ، وإلى ما بعد يومنا هذا ، سيبقى المؤرخون وأهلُ السير والعلماءُ والفقهاء - من سُنّة وشيعة على حدّ سواء - يتحدثون في مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وستظل الأقلامُ تُسَطِّر عظمتهم ، فلقد استوقفت سيرُهم الباحثين من أممٍ مختلفة ومذاهبٍ متباينة ، لأنهم وجدوا فيها هيبةَ الحقّ ، وقوةَ العلم ، وكرامةَ الإنسان واحترامَ الحياة وجلالَ الكون ، فاستلهموها واتخذوا منها مقياساً للحق والفضيلة ، ومصدراً للثبات على الحقّ والتضحية والكرامة والفداء .

وسيبقى المؤرخون وأهلُ السير والعلماءُ والفقهاءُ - من سُنَّة وشيعة على حدّ سواء - يتحدثون في حبِّ الصحابة لأهل بيت النبوة ، وحبّ أهل بيت النبوة لصحابةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لذا علينا من منطلق حبنا لنبي الإسلام أن نعيد قراءةَ التاريخ الإسلاميّ بيقينِ الحقيقة لا بالتوهم والشك بحيث لا نترك مجالاً للجاهلين والعابثين والحاقدين أن يحرفوا في سيرة أهل البيت وسيرة الصحابة الذي قال فيهم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ( أصحابي كالنجوم بإيهم اقتديتم اهتديتم) .

إذا كان للتاريخ أن يقفَ وقفة إجلالٍ أمام أروعِ أمثولةٍ للشموخ... وإذا كان للدنيا أن تكبِّرَ لأروعِ تضحيةٍ سجلها تاريخُ الفداء... وإذا كان للإنسانيةِ أن تنحني في خشوعٍ أمام أروعِ أمثولةٍ للبطولة... فشموخُ الحسين وتضحيةُ الحسين وبطولة الحسينُ أروعُ أمثلةٍ شهدها تاريخ الشموخ والتضحيات والبطولات والفداء .

الحسين بن علي (عليه السلام) الرشيد - الطيّب - الوفيّ - السيّد - الزكيّ - المبارك - التابع لمرضاة الله - السِّبط - سيّد شباب أهل الجنة – الإمام المظلوم الشهيد السعيد ....

قمةٌ من قممِ الإنسانية الشامخة ، وعملاقٌ من عمالقةِ البطولة والفداء ، فالفكرُ يتعثر واللسانُ يتلعثم ، واليراعُ يتلكأ ، عندما يقف الفكر واللسان واليراع أمام إنسان فذّ كبير كالإمام الحسين، وأمامَ وجودٍ هائلٍ من التألقِ والإشراقِ كوجود الحسين، وأمامَ إيمانٍ حيٍ نابضٍ كإيمانِ الحسين ، وأمام سموٍ شامخٍ عملاقٍ كسمو الحسين... وأمام حياةٍ زاهرةٍ بالفيضِ والعطاءِ كحياةِ الحسين..

إننا لا يمكن أن نلجَ آفاقَ العظمةِ عند الإمام الحسين إلا بمقدار ما نملك من محبة ٍ عارمةٍ لأهلِ بيتِ النبوة ، وانكشافٍ في الرؤية والتبصر ، وسموٍ في الرُّوح والذَّات... فكلما تصاعدت هذه الأبعاد، واتسعت هذه الأُطُر، كلما كان الانفتاحُ على آفاقِ العظمة في حياة الإمام الحسين أكثرَ وضوحاً وأبعدَ عمقاً... فلا يمكن أن نعيشَ العطاءَ الحي لفيوضاتِ الحسين، ولا يمكن أن تغمرَنا العَبقاتُ النديّة والأشذاءُ الرويّة لنسمات الحياة تنسابُ من أفقِ الحسين، ولا يمكن أن تجللُنا إشراقاتُ الطهرِ تنسكب من أقباسِ الحسين إلا إذا حطمت عقولُنا أسوارَ الإنغلاق على النفس ، وانفلتت من أسر الرؤى الضيقة، وتسامت أرواحُنا إلى عوالم النبلِ والفضيلة ، وتعالت على الحياةِ المثقلة بالفهم الماديّ الزائف.

فيا من يريدُ فهمَ الحسين ، ويا من يريدُ عطاءَ الحسين ، ويا من يتعشقُ نورَ الحسين ، ويا من يهيمُ بعلياءِ الحسين، افتحوا أمامَ عقولكم منافذَ الانطلاق إلى دنيا الحسين، ، وحرّروا أرواحكم من اثقالِ التيه في الدروب المظلمة المعتمة، بذلك تنفتح دنيا الحسين ، وعند ذلك تتجلى الرؤيةُ وتسمو النظرةُ ويفيضُ العطاء .

فأعظم بإنسان.. جدُّه محمدٌ سيد المرسلين، وأبوه عليٌّ بطلُ الإسلام الخالد ، وأمّه الزهراءُ فاطمة سيدةُ نساء العالمين ، وأخوه السِّبط الحسن ريحانة الرسول، نسبٌ مشرقُ وضّاء ببيتٍ زكيٍّ طهور.

يُجمع المسلمون كما يُجمع المؤرخون والكتَّاب أنّ الحسن والحسين عليهما السلام هما (سيّدا شباب أهل الجنة) ، وأنّ لهما مزيةً خاصة بنسبهما الشريف ومكانتهما من محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهما بهذه المزيةِ والمكانة أحب الناس إلى قلوب المسلمين .

سماهما النبي صلى الله عليه وسلم ، وذهبا وإخوتهما بكلّ ما في فؤاد النبي عليه الصلاة والسلام من محبة البنين ، فكان عليه الصلاة والسلام لا يطيق أذاهما ولا يحب أن يستمعَ إلى بكاءٍ منهما في طفولتهما ، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من بيتِ السيدة عائشة رضي الله عنها ، فمرَّ على بيتِ السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وسمع حُسيناً يبكي فقال: (ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني) .

إنّ شخصيةَ الإمام الحسين عليه السلام هي شخصيةٌ فريدةٌ متميزة في نوعِها تجسدُ القيمُ الإسلاميةُ في كل أبعادِها وتفاصيلها ، إذ ترعرع في بيتِ النبوة المحمديّ على الذكرِ والتقوى والفقهِ والصلاحِ والشجاعةِ والفصاحةِ ، وهي شخصيةٌ تمثلُ القيمة الإنسانية الروحيّة التي انفتحت على شريعةِ الله أوسعَ انفتاح ، وعايشت عمقَ المفاهيم الإسلاميّة كأعمقِ ما يكون العمق ، وانطلقت مجسدةً تعاليمَ الإسلامِ بكل القضايا المتصلة بالإسلام .

لقد كان الحسين بحكمِ نشأتِه وتربيته ومزاياه الفطريّة ، وبحكم الوراثةِ الخَلقيّة من أكرم بيت وأشرف خَلق ، مؤمناً أصدقَ الإيمان بالله تعالى ، حريصاً أشد الحرصِ على شريعة الإسلام أن يمسها أحدٌ مهما علت منزلته بسوء ، صلباً أشد الصلابةِ في إحقاق الحقّ ومراعاة أحكام الدِّين القويم ، لا تأخذه في الله لومة لائم ... كان هذا شأنه ، ومن كان هذا شأنُه وهذه مبادؤه ومعتقداتُه كان من العسير عليه أشدَ العسرِ ، لا بل من المستحيلِ أعظمَ ما تكون الاستحالة ، أن يغضَّ الطرفَ أو أن يرضى بالزيفِ الصارخ والانحرافِ عن نهج الدين القويم وإنكارِ حق الأمة في التشاور والاختيار .

وسيرة الإمام الحسين عليه السلام هي مسيرةُ الإصلاحِ والتضحية ، وهي قصةُ الصراع العنيف بين اتجاهين :

- اتجاه الإصلاحِ والخيرِ والأريحيةِ والحريةِ والعدالةِ والتضحيةِ ، وكلّ ما يرتفع بالإنسان من دركِ الحيوانية إلى أوجِ البراءة والنقاء .

- واتجاه الشرِّ واللؤمِ والاستبعادِ والظلمِ والقهر ، وكل ما ينحدرُ بالإنسان إلى حضيض المهانةِ والانحطاط .

وإنّ من يطالعُ سيرةَ سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ابن الإمام عليّ رضي الله عنه ويستجلي أحوالَ من خاضوا غمرات أحداثها سيعثر على فئتين من النّاسِ هما على طرفيّ نقيض :

- فئة الحسين وأنصارِه وأتباعه ومؤيديه ، التي تتمثل فيها أسمى وأشرفُ ما بلغته الإنسانيةُ في تاريخ حضارتِها ، وأنبلُ ما بثّته الأديان ودعت إليه من خصالِ الخيرِ وإعلاء كلمة الحق والجودِ بالنفس في سبيل نصرةِ المظلوم والقضاءِ على الضلال والسادرين فيه .

- وفئة المناوئين للحسين فئة باغية كما وصفها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام ، مع الذين تخلَّوا عن نصرتِه ، الذين أعمتهم منافُعهم الذاتية ومطامُعهم الدنيوية عن جلالِ قدره ورفعةِ مقامه وقرابتِه من سيد الأنبياء والمرسلين وتحدرِه من أكرم أبوين ، من أب دافع عن الإسلامِ بسيفه ، وروَّع قلوب أعدائِه بإقدامه وشجاعته ، ونوِّر أذهانَ المؤمنين بواسع علمِه وسحرِ بيانه ، ومن أم معطَّرةِ الأنفاس بنفحات النبوة ، مطهَّرةِ الأخلاقِ والشيم بعبقِ الوحي والرسالة .

وإنّه ... (عليه السلام ) وبعد طولِ تأملٍ وتفكيرٍ واستماعٍ إلى المشيرين بالإقدامِ والناصحين بالنكوصِ والإحجام ، وبعدما تبدى لعينيه العجبَ العجاب من ثباتِ العامرةِ قلوبُهم بالإيمان، وتهافت الخائرةِ نفوسهم والمجبولةِ قلوبهم على إيثار الخذلان والاستسلام ، أقدم على خوض المعركة واضعاً نصب عينيه الانتصارَ للحق أو الشهادةَ بعز وكرامة في سبيل حق آمن به وتحملَّ من أجلهِ ما لا يتحمله إلا أولو العزم من الرِّجال ، فكان باستشهادِه سيدَ الشهداء ، قدّم للبشريةِ ولأمتهِ أبلغ شهادةٍ تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد في سبيلِ أسمى قضيةٍ هي قضيةُ الإصلاحِ والعدالة في أمة جدِّه محمد عليه الصلاة والسلام .

علينا أن نستلهم العبر من السيرة الحسينية التي هي في الحقيقةِ سيرةُ وحدة الأمة الإسلامية الرحبةِ والعميقةِ كرحابةِ وعمقِ الإسلام ، تاركين ورافضين شعاراتِ التفرقة والتمذهبِ المسيئةِ إلى الوحدة الإسلامية ، لنقدمَ عبر تجديد الخطابِ لهذه السيرة رمزاً للوحدةِ الإسلامية التي هي أساسُ الدائرةِ الإسلاميةِ الواسعةِ المنفتحة على الإنسانية كلها .

نحن بحاجةٍ ماسة إلى وحدتنا الإسلامية ، وبحاجة ماسةٍ إلى النهجِ والفكرِ الحسينيّ الذي هو في حقيقته النهجُ الإسلامي في الإصلاحِ والعدالةِ والتضحيةِ والفداءِ والثورةِ على الظلمِ والاسـتبدادِ والاسـتعباد ، لمواجهة التحديات وما يُحاك لأمتنا من مؤامرات ومكائد ، وما يفرض عليها من مشاريعِ إذلالٍ ومناهجِ قهرٍ واستعباد .

إنّ الأخطار التي تهدد وجود أمتنا الإسلامية اليوم هي أخطار تفوقُ التصور ، وبخاصة ونحن في عصرِ الغطرسةِ والإستكبارِ والعولمة ، وبعض المسلمين بكل أسف يعطون الفرصة للآخرين للتمكن منها ومن ثرواتها وإبقائها في حالة تخلف مستمر ، وإنّ من أهمِ العواملِ التي تمكن أعداءَ الأمةِ منا يتمثل في الفرقةِ والتنازعِ والصراعاتِ المدمرة المتعددة الأبعاد بين المسلمين أنفسِهم ، سواء كان هذا التنازع أو التفرق في أمور الدين أو السياسة أو بسببِ الفوارقِ الطبقية الصارخة أو بسببِ الصراعاتِ القبلية أو العرقية التي تحيي ما كان قائماً في الجاهلية.

لقد جاء التحذير الإلهي من كل ذلك حاسماً قاطعاً في أوجزِ وأعجزِ عبارة في القرآن الكريم فقال تعالى : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وقال تعالى : {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } .

إنّ الفرقةَ والتنازعَ والتناحرَ سلبياتٌ تؤدي إلى الفشلِ الذي تكون نتيجته الحتمية هي ذهابُ قوةِ المسلمين التي يكونون بعدها لقمةً سائغةً في أيدي أعدائهم كما هو واقع اليوم بالفعل في فلسطين والعراق وأفغانستان .... وغيرها من مناطق العالم الإسلامي .

ولاشك أن التعصبَ للخلافاتِ المذهبية في أمور الدين ، والتناحرَ من أجلِها تعدُّ من العقباتِ الخطيرة في سبيل وحدة الأمة الإسلامية ، فقد آن الأوان لأن يدركَ المسلمون جميعاً أن الإسلامَ في جوهره لا يعرفُ التصنيفاتَ المعتادة من سنة وشيعة وفقهاء ومتصوفة وغيرَ ذلك من مسميات ، وعينُ اليقين أنه لا ذنبَ لأي مسلمٍ من المسلمين اليوم في أي نزاعاتٍ حدثت بين الأسلافِ في الماضي وأدت في بعض الأحيان إلى صراعاتٍ دامية ، فهذا تاريخٌ مضى وانقضى ، سلمت منه أيدينا فلتسلم منه ألستٌنا .

على الأمة أن تجتمعَ على ما تتفقُ عليه ، وعلى المسلمين أن يعذرَ بعضهم بعضاً فيما يختلفون فيه ، فالجميع مسلمون والقرآن الذي يتلونه صباحاً ومساءً لا خلاف عليه بينهم، وعلى المسلمين أن يدركوا أن الأخطار التي تهددهم في عالم اليوم لا تفرق بين سنيّ وشيعيّ أو درزيّ أو علويّ ، ولا بين حنفيّ أو جعفريّ أو شافعيّ أو حنبليّ أو مالكيّ أو زيديّ أو إباضيّ ، فالجميع مُستهدفون بوصف واحد هو أنهم مسلمون .

إنّ الوحدةَ الإسلاميةَ اليوم أصبحت أشدَّ ضرورةً منها في أي وقت مضى ، وهي ضرورةٌ تنبع من مصدرٍ ديني ولكنها تصبّ في مصلحة المسلمين جميعاً وفي مصلحةِ السلام العالمي بصفة عامة ، وهي امتثالٌ لأمرِ الله تعالى في قوله : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وهي بلا شك ستقوي جانبَ المسلمين وتزيدُ من تعاونهم فيما بينهم في جميع المجالات مما يزيدُهم قوة ، ويجعلهم أقدرَ على العمل من أجل تقدمِ بلادهم والارتقاءِ بشعوبهم ، وتجعلهم أقدرَ على المشاركة الفعالة في صنعِ السلامِ في العالم ، والإسهامِ بدور حاسم في تقريرِ مصيره لأنه عالمُنا جميعاً .

إننا نتعرض جميعاً باعتبارِنا مسـلمين إلى كثيرٍ من حملاتِ التشـكيكِ والتجريحِ والحروبِ المكشوفة حيناً والمستترةِ أحياناً ضد الإسلام من تيار ( قوى العولمة الحالية ) القائمةِ على : ( استغلالِ وقهرِ الإنسان من حيث هو إنسان على حسابِ القيمِ والأخلاقِ والمعتقدات ) الهادفةِ إلى اختزالِ الشخصيةِ الثقافيةِ والهويةِ الحضاريةِ الإسلامية وتصويرها بأنها أصبحت من مخلفاتِ الماضي السحيق التي يجب إهمالُها ونسيانُها ، وذلك عن طريق إيقاظِ أطرِ الانتماء السابقة في دولِ عالمنا العربيّ والإسلاميّ العرقية والقبلية والطائفية والتعصب المذهبيّ ، والدفعِ بها جميعاً إلى التناحرِ والتقاتلِ المتبادل الذي يؤدي إلى الحروب الأهلية والإفناء المتبادل .

إنّ العصر الذي نعيش فيه لم يعد فيه مكانٌ للضعفاء ، والمسلمون فيه ليسوا بقلةٍ ، إلا أنّ قوى العولمة الحالية تريد لنا أن نكون أمةً حائرةً في عالم متحير عبر تهميش دورِنا لفرضِ مشاريعَ علينا تتنافى مع معتقداتِنا وتقاليدِنا وأعرافِنا وقيمنا وأخلاقنا وتتنافى مع النهج الحسينيّ الذي هو في حقيقته هو النهج المحمديّ والنهج الإسلاميّ .

علينا أن نكون أمةً غير حائرة ، أمةً موحدة متماسكة متضامنة في أبعادها الدينيّة والسياسية والاجتماعية لنختارَ نحن مكانَنا في هذا العالم المتغير .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com