» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام

ها هُم حُجَّاج بيت الله الحرام في هذه الأيام يعودون بعد أداء فريضة العمر فرحين بما آتاهم الله من فضله ومن حقِّهم أنْ يفرحوا قُلْ بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون، فرحين بوقفتهم التي وقفها النبي صلى الله عليه وسلم على صعيد عرفات داعياً بخشوع وخضوع وإخبات ، وتذكر الحجّاج في وقفتهم كيف أرسل صلوات الله وسلامه عليه بلالاً قائلاً له : (يا بلال إستنصت الناس) ، فنادى بلال النّاس واستنصتهم ، وأصاخت الآذان ، واشرأبّت الأعناق ، وأبدت العيون بصرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطبهم بقوله : (إنّ جبريل أتاني فبشرني أنّ الله قد قَبِلَ من مُحْسِنكم ، وتجاوز عن مسيئكم ، وتحمل عنكم التَّبِعات) ، وهنا خاطب سيدنا عمر بن الخطاب الرسول قائلاً : (يا رسول الله هذه لنا خاصّة أَمْ للنّاس عامة) ، فقال صلى الله عليه وسلم : (بل للنّاس عامّة) ، فقال عمر: (كَثُرَ خير ربِّنا وطاب) .

هنيئاً للحُجَّاج العائدين من أداء فريضة الحجّ بأروع بُشرى نبويّة تسكب في قلوب الحجّيج الواقفين بعرفات سويعة النفرة إلى المزدلفة ، فتخبّ بهم مطاياهم وكأنما تَعْرُج بهم إلى السماء ، بُشرى نبويّة تُخفف من سيئاتهم وتبارك حسناتهم·

أيها الحجّاج العائدون كيوم ولدتكم أمهاتكم : كما تجلّت لكم هذه البشرى النبويّة الرّحمة الإلهية والفيض الربّانيّ الغامر ، فقد تواردت نصوص أخر بهذه البشائر والفيوض الإلهية .

لما جاء عمرو بن العاص يَعْرِض إسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم هشَّ له النبي صلى الله عليه وسلم وَبَشَّ ، وبَسَطَ يمينه المباركة ليبايعه على الإسلام ، ولكن عُمَراً قبض يده ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (مَالَكَ عمرو ؟) ، قال : أردّت أن اشترط ! ، فقال صلى الله عليه وسلم : (تشترط بماذا ؟) ، قال عمرو : أشترط أن يُغْفَر لي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا عمرو أَمَا علمت أنّ الإسلام يَهْدِم ما قبله ، وأنّ الهجرة تهدم ما قبلها ، وأنّ الحجّ يهدم ما قبله) .

نعم... إن الحجّ هَدْم لكلّ رُكام الخطايا والذنوب السالفة ، كما أنّ الإسلام يهدم كلّ خطايا الكفر قال صلى الله عليه وسلم : (من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) .

الحجّ ميلاد جديد للإنسان ، ولا نعلم أنّ مولوداً جاء إلى الدنيا وفي صحيفته ذنب فَعَلَه أو خطيئة اقترفها ، والحاجّ يعود من حجّه وصحيفته بيضاء نقيّة كأنّما خرج إلى الدنيا من بطن أُمّه .

فإلى كلّ من حجّ بيت الله الحرام ووقف في تلك المواقف ، حيث مشـاهد التجلي الإلهيّ ، وتنزل الرحمات ، إلى من بسط في تلك المشاهد كفيّه ، وحَسَر رأسه ، وتجرَّد لله في لباس العبودية والذلّ والمسكنة... أَبشروا وأَملوا ما يسركم ، فبُشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم صِدْق ، وموعود الله حقّ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

أيها الحاجّ لقد دعوت ربّاً عظيماً برّاً كريماً لا يتعاظمه ذنب أن يغفره ولا فضل أن يُعطيه، فأحسن ظنّك بربِّك ، وبالغ في الإحسان ، فإنّ ربّك عند ظنّك ، وعطاء الله تعالى أعظم من أمَلِك ، وجوده أوسع من مسألتك .

لقد دعوت ربّك الذي إذا تقرّبت إليه شِبراً تقرب إليك ذراعاً ، وإن تقرّبت إليه ذراعاً تقرّب إليك بَاعاً ، وإنْ أتيته تمشي أتاك هرولة ، احتسب عند ربّك يوم تجلّى الله على أهل ذاك الموقف - وكنت معهم - فقال العزيز الجبار لملائكته وهو أعلم : (ما أراد هؤلاء ، أتوني شُعْثاً غُبْراً ضَاجِّين ، أُشهدكم أنّي غفرت لهم) ، احتسب عند ربّك يومٌ أفاض أهل الموسم حاسري الرؤوس - وأنت معهم - فقال الله عز وجل : (أفيضوا مغفوراً لكم) ، احتسب عند ربك أنّ هذا الموسم الذي شهدته شهده معك شُعْث غُبْر لا يعرفون ولا يؤبه لهم ولو أقسم أحدهم على الله لَأَبَرَّه ، فقبلهم الله وقَبِل من معهم ، وقال : (هُمُ القوم لا يشقى بهم جليسهم) .

أيها العائد المبرور : أحسن الظنّ بربَّك ولا تظن إلا خيراً ، ومن حُسْنِ ظَنِّك بربِّك أنْ تظنّ بيقين إنه قد قبل حجّك وغفر ذنبك وأجاب دُعاءك وضاعف عطاءك ، وإنّه ما إستزارك إلا لِيَقْبَلَك ويَهَب لك خطأك ويغفر زلَّتك ويُبيّض صحيفتك ، وإنّه مهما ظننت ففضل الله أوسع مما تظن .

تذكر... إنّ هذا كان شأن الصالحين والعُلماء الرَّاسخين في تلك المشاهد والمواقف ، قال ابن المبارك : (جئت إلى سفيان الثوريّ عشية عَرَفة وهو جَاثٍ على ركبتيه وعيناه تهملان ، فالتفت إلىّ ، فقلت له : من أسوأ هذا الجمع حالاً ؟ قال : الذي يظنّ أنّ الله لا يَغْفِر له) .

ورُوي عن الفُضيل إنّه نظر إلى نشيج النّاس وبكائهم عشية عرفة ، فقال : (أرأيتم لو أنّ هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً – يعني : سدس درهم - أكان يردّهم ؟ قالوا : لا، قال : والله ، للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق) .

ليكن يقيننا بالله أنّ كلّ عمل صالح ابْتُغِيَ به وجهه فسبيله القبول والمضاعفة ، وإنّ الله عز وجل أكرم وأفضل من أنْ يَرُدّ على عبده عملاً صالحاً عمله خالصاً له ، وإنّ من ظنّ بالله غير ذلك فقد ظَنّ به ظَنّ السوء .

أيها الحجّاج العائدون هنيئاً لكم وبشرى وقُرّة عين ، فقد وُلِدْتُّم بحجِّكم هذا ميلاداً جديداً ، وتركتم وراءكم رُكام الذُّنوب ، وحصيلة العمر من الآثام ، وعُدْتُّم كيوم ولدتكم أمهاتكم ، فاجعلوا من حجّكم بداية حياة جديدة ، ومعاملة صادقة صالحة مع الله تعالى ، واستأنفوا عملكم فقد كفيتم بما مضى ، ولكنّ الشأن فيما بقي .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com