» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام

الحجّ من الفرائض الدينية التي تزيد جوهرة الإيمان في الفرد وكذلك في المجتمع ، والمجتمع الذي يبعث بوفـده لأداء مناسك الحجّ طاعة للرحمـن سبحانه وتعالى هو مجتمع تزداد فيه جوهرة الإيمان وحقائقه وليست فقط مظاهره ، ذلك بأن الحجّ ليس ذا جانب فرديّ فقط ، وإنما هو عبادة فردية واجتماعية .

والحجّ هو ختام الأركان الخمسة ، وهو بداية جديدة للفرد المسلم ، الذي يأتيه على التفاوت حاملاً ذنوبه وهمومه ، كي يغادر إنساناً جديداً نفض عن كاهله الذنوب والأوزار ، ووضع مكانها عزيمة راسخة على الإيمان والاستقامة وفعل الخيرات ، تصديقاً للحديث النبوي المشهور كما رواه الإمام أحمد في مسندة ورواه غيره : (من حجّ البيت فلم يرفث ، ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه) ، فالمؤمن ينال المِران الطويل في أداء فرائض الإسلام كلّها ، ويأتي دوره في الامتحان الكبير عندما يؤدي فريضة الحجّ ليمارس القِيَم الإيمانيَة والروحيَة والسلوكيَة والأخلاقيَة في ظروف تُحيط بها صعوبات جديدة ، فأمامه السـفر ، والزِّحام ، والتقشف في الزِّي والعيش ، وكلّها عوامل يمكن أن تثور فيها الأعصاب ، وتفلت معها الألسنة ، لكنّ المؤمن الحقّ تبرز أمامه معاني الحجّ والآمال الكبرى التي يعمل لتحقيقها ... فيعتاد على الصبر ويقابل المشقة بالهدوء وطول البال ، ويذكر كلمات القرآن المضيئة : {الحجّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحجّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحجّ }.

وتأتي مناسبة الحجّ لتذكر المسلم بأنّه ينتمي إلى أمّة واحدة ، وإنّ الرابطة الحقيقية هي رابطة الرسالة الإسلامية التي هي فوق العصبيات والألوان واللّغات والقوميّات ، والإسلام لا يعترض على حقّ الإنسان في أن ينتمي إلى مجموعة بشريّة خاصة وأن يخلص لها ما دامت تخدم رسالة الإسلام وتحمي بيضة الأمّة المسلمة ، قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ، إلا أنّ الانتماء الأكبر لأمّة الإسلام التي تحدَّدت رسالتها في الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى : {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} ، وقوله سبحانه : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} .

والتركيز على معنى الأمة الواحدة الذي يمثله نسك الحجّ أصدق تمثيل من الأهمية بمكان ، فقد تعرَّضت أمتنا في تاريخها الطويل لأزمات وعواصف كثيرة بسبب التعصُّب القَبَلِيّ أو العِرْقِيّ ، فكان الحجّ دائماً هو القلعة التي يؤوب إليها المؤمنون ، وحول أسوارها تتكسر تيارات الجاهلية ، وتبقى الأمّة الواحدة تستعلي على عوامل التفرُّق والتمزيق ، ولا شك أنّ المرحلة الراهنة تشهد انبعاثاً في بعض أقطارها لتلك الشنشنة القديمة بأسماء جديدة ، ويزيد من خطرها أنّ الأعداء القُدامى والجُدد يجدون فيها أسلحة لتفتيت الأمّة المسلمة ، وإضعاف شوكتها حتى تقبل الذِّلة والاستسلام فيأتي الحجّ مناسبة مواتية لإبراز شخصية الأمّة الواحدة مصداقاً لقوله عز وجل : {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}.

ففي الحجّ تبرز ميزة الإسلام الكبرى كرسالة عالميّة تحتضن الأبيض والأسود والأصفر من النّاس ، ويلتقي فيها العربيّ وغير العربيّ على قَدَم المساواة دون تمييز لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح قال المولى عز وجل : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وفي أداء المناسك يسير الحاجّ المسلم على أثر أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام ، قال الله تعالى: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، وفي السعي بين الصَّفا والمروة ، يذكر إسماعيل وأُمّه الطاهرة الصابرة ويذكر السلسلة الكريمة من أنبياء الله الذين أورثهم سيدنا إبراهيم عليه السلام رسالة التوحيد : {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.

ونحن في عالمنا المعاصر حيث تُطل الطائفية والعنصريّة الكالحة والعولمة الاستبداديّة ، وحيث تعلو أفكار حاقدة تتلبس لَبُوس الدّين ، يمدّ الإسلام يده مبشراً بالأخوة العالميّة ذات الجذور الراسخة في تاريخ الأنبياء ، قال المولى عز وجل: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ، ولقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث مشهور أنْ يُفضله أحد على سائر أنبياء الله عليهم السلام ، فَهُمْ إخوانه وشركاؤه في دعوة التوحيد ، وقد قال في حديث آخر : (الأنبياء إخوة من عَلَّات أُمَّهاتهم شتى ودينهم واحد) .

إنّ التصديق بأنبياء الله جميعاً واحترام الكتب التي حملها الوحي إليهم ، هو النهج الذي لا يزال يحكم نظرة المسلمين لغيرهم من الأمم ، فالقرآن الكريم يقدم أنبياء الله جميعاً كنماذج للإيمان والخير والفضيلة ومصابيح للهدى وسط ظلام الشرك والإلحاد ، وهذه النظرة المتسامية تشكل قاعدة أساسية للحوار القائم بين المسلمين وغيرهم من الأمم والحضارات، ولا شك أن فريضة الحجّ إلى بيت الله الحرام تأتي كل عام لتذكر المسلمين بهذه الحقيقة وتضعهم أمام مسؤوليتهم في هداية البشرية إلى طريق التوحيد الخالص .

والحجّ مؤتمر إسلاميّ كبير ومصدر عظمة الإسلام و إتّحاد المسلمين و تقوية شوكتهم ، فهو من جانب يُرعب أعداء الإسلام و يُفشل خططهم الاستعماريّة الاستكباريّة ، ومن جانب آخر يبُثُ في نفوس المسلمين كلّ عام روح الإيمان والتقوى والالتزام الدينيّ والوحدة الإسلاميّة ، ويُبصِّرُهم في هموم الأمّة كما ويُشعرهم بقوتهم وعزَّتهم .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com