» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس

دلّت النُّصوص الشرعيّة على أنّ طريق الهداية يبدأ من القلب ، قال صلوات الله وسلامه عليه (ألا وإنّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب) ، كما دلت نصوص أخرى على أن جانب العقل في القلب إذا فاتت العناية به فاتت الهداية والخير والصلاح هو جانب العقل في القلب ، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} ، فالذين لم يستعملوا عقولهم استحقوا الرِّجس وهو عدمُ الإيمانِ والهداية والصلاح ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .

لكل جانب من جوانب تزكية النّفس أساساً عقليّاً يُرجع إليه وينبني عليه، قال الخطابيّ رحمه الله : (والعقل أمير النفس لأنها إذا أرادت أمراً راجعته) ، فما يعقله العقل ويدركه من الحقائق والعلوم هو الأساس لسواه ، ففي هذه الحقائق أساس يقتضي الإيمان بها ، وفيها أساس للقلب ، فتنبني توجُّهات القلب ورغباته على الحقائق التي اقتنع بها الإنسان ، وفيها أساس للرجوع إلى حكم الله تعالى وفيها أساس للعبادات ، وفيها أساس للأخلاق ، وفيها أساس للمعاملات ، وفيها أساس للحضارة التي يجب أن تكون في البشرية... وغير ذلك .

إن الحقائق المعقولة هي التي يجب أن نؤمن بها ونصدِّق بها لأنها حقٌّ ثابت ، والمعرفة بأنها حقائق يقتضي التصديق بها والإيمان بها ، ومالم يكن الإيمان بها موجوداً فلا قيمة لمعرفة هذه الحقائق ولا قيمة للعلم بها.

وما لم يكن إيمانٌ فلا تزكية ، وأعلى التزكية أن نُطهِّر اعتقادنا من الخرافات والأباطيل ، ولا تزكو نفس وهي تُنكِر الحقائق العظمى في الوجود : كحقيقة وجود الله سبحانه وألوهيته وربوبيّته وصفاته ، وحقيقة إرسال الرسل وإنزال الكتب ، وحقيقة اليوم الآخر ، من هنا كان من أهم الأعمال عند الله هو الإيمان ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل : أي العمل أفضل ؟ فقال: (إيمان بالله ورسوله) ، قيل : ثم ماذا ؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) ، قيل : ثم ماذا ؟ قال: (حج مبرور) .

وإذا وُجد الإيمان فمنه يمكن أن ينشأ ما سواه ، من عبادة وأخلاق ومعاملة صحيحة ، وإذا لم يوجد الإيمان فلا قيمة لما سواه ، فلو أن إنساناً صلّى وصام وحسَّن أخلاقه ، لكنه كان يؤمن بالباطل ، فما فائدة عبادته وخُلُقه ؟ لن يستفيد منها شيئاً ، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} .

وقد بيّن الله تعالى في آيات كثيرة أنّ الإيمان إذا لم يكن موجوداً فلا قيمة لأيّ عمل بعد ذلك، قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، وقال تعالى : {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وقال تعالى : {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} ، وقال تعالى : {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، لذا فإن أولّ ما نُزكِّي به أنفسنا وننتبه إليه هو شأن الاعتقاد ، حتى نكون مقرِّين لله بالربوبيّة والألوهيّة وسائر صفاته التي تليق بكماله وجلاله ، ومن هنا كانت الخطوة الأولى في تزكية النفس هي معرفة العقائد الحقّة ، ومعرفة أدلتها ، والإيمان بها .

وقد بيّن الله تعالى أن الإيمان هو الأساس في الهداية ، قال سبحانه: {ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه} ، فالإيمان بالله أساس الهداية والصلاح والتزكية ، وقال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ * تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} ، وربط القرآن بين العقيدة وبين أحكامها التي بها تزكية النفوس : فقرن الله تعالى إقامةَ الأحكام المختلفة في العبادات والمعاملات والأخلاق بالإيمان ، ونجد في القرآن الكريم كثيراً من الأحكام يبدأ الأمر بها بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ...} ، فوجه الأمر بالوضوء إلى المؤمنين ، لأن غيرهم لا يقبل الأمر لعدم وجود الإيمان ، وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} ، فوصف أهل الإيمان بأنهم هُمُ الذين يفعلون الأحكام من صلاة وإِعْرَاض عن لغو وزكاة وحفظٍ لِلْفُرُوج ...وغير ذلك ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، فوجّه الخطاب إلى أهل الإيمان أن يكونوا مُتَخَلِّقين بالتحمّل والصبر من خلال التصبر وعبادة الصلاة ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، فوجّه الخطاب بترك الرِّبا إلى المؤمنين ، ثم ختم الآية بما يدلّ على أن من كان مؤمناً لا يمكن أن يتخلّف عن هذا الأمر الربّانيّ ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} ، فوجّه الأمر لأهل الإيمان بالتّفكُّر فيما أعدُّوا لآخرتهم ، فلا تقوم هذه العبادة من غير مقدِّمات إيمانيّة يُدركها العقل ، وقال تعالى : {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ، وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ} ، فلنتأمل كيف رَبَط في هذه السورة بين عبادات ومعاملات وأخلاق ، وبين الاعتقاد والإيمان باليوم الآخر ، فالذي يُكذب بيوم الدّين يصدر عنه إهمال الصلاة وإيذاء اليتيم ومنع المسكين ومنع الماعون ، والرياء بأن يقصد الناس في الأعمال .

فما لم يكن إيمان بالحقائق والعقائد التي تُدركها العقول فلا يمكن أن يتجاوب الإنسان مع أمر الله تعالى وحكمه ، والتزكية إنما تَتِمُّ بعد الإيمان والاعتقاد السليم بإقامة الأحكام على وجهها الذي شرعه الله سبحانه وتعالى .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com