» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة

ما أحوجنا ونحن نمارس تقويم حالنا اليوم كأمة أن نُعيد استقراء تاريخنا ، وأن ندرس عوامل نجاح أمتنا في قيادة الإنسانية على مدى عصورٍ وعصور وبناء حضارة يشهد لها أعداؤها قبل أبنائها .

ونتساءل في خِضَمِّ عملية التقويم : أيّ مدرسة أو جامعة أو مؤسسة دينيّة وفكريّة وعلميّة واجتماعيّة تلك التي استمرت في تخريج أساتذة للإنسانية في العلوم النقليّة والعقليّة على حدّ سواء وعلى مدى عصور ريادة الحضارة الإسلامية ، من فقهاء ومحدثين وعلماء في علوم الدِّين والدنيا كافّة ، قلما يجتمع مثل هذا العدد الهائل منهم في حضارة واحدة ، وهم من نِتاج مؤسسة واحدة هي المسجد بمفهومه الشامل المتعمق الغائب عن كثير من أبناء أُمتنا ، والذي يمثل نقطة التقاء الأمة وتوحيدها والمظهر العمليّ لوحدتها ، وهو من أول الأعمال والإنجازات التي قام بها نبيّ الرحمة ورسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة المنورة ، حيث بنى مسجداً للمسلمين في قباء قبل أن يبني لنفسه بيتاً ومسكناً ، وكما بنى أيضاً المسجد النبوي ليكون مؤسسة للدعوة وداراً للدولة الإسلامية الفتيّة ، وليكون مدرسة وجامعة ومقراً لمجلس الشورى وعقد الرايات وتجهيز الجيوش وإدارة شؤون الأمة صغيرها وكبيرها.

إن المسجد في المفهوم الإسلامي الخالص هو مقرّ إعلان العبوديّة الخالصة لله تعالى ، قال تعالى : {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} ، والعبادة في المفهوم الإسلاميّ كلمة شاملة جامعة لحياة الإنسان العابد لله تعالى ، {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ، والعلم في الإسلام شرط أساسيّ في أداء العبادة الصحيحة بمفهومها الشامل ، فلابد إذن من أن يقوم المسجد بدور نشر العلوم بل وأن يصبح منارة ومقصداً علمياً ، وبالفعل قام المسجد بدوره التعليميّ منذ أيامه الأولى ، وحث ّرسول الله على هذا الدور بقوله صلى الله عليه وسلم : (من غدا إلى المسجد لا يُريد إلا ليتعلم خيرًا أو يعلِّمه كان له أجر معتمر تامّ العمرة، ومن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرًا أو يعلّمه فله أجر حاج تامّ الحجّة) ، وهذا المقصد التعليميّ أوضحه وبيّنه صلى الله عليه وسلم في حديثه ليفرِّق بينه وبين البُعد الشعائريّ التعبديّ من إقامة الصلوات في المساجد.

ولم يقتصر الدور التعليميّ للمسجد على الرِّجال بل نافست عليه النِّساء ، فقد أخرج الإمام البخاريّ في صحيحه عن أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنه ، قال : قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم : (غَلَبَنَا عليك الرِّجالُ فاجعلْ لنا يوماً من نَفْسِكَ ، فوعدهُنَّ يوماً لَقِيَهُنَّ فيه فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ) ، وفتح المسجد للمرأة لتشهد دروس العلم وليتأكد حقَّها في تحصيل العلم ومشاركة الرجل في الحياة ، وقد أُعجبت السيدة عائشة - أم المؤمنين - رضي الله عنها بإقبال الأنصاريّات على العلم فقالت: (نِعْمَ النِّساءُ نساءُ الأنصار لم يَمْنَعُهُنَّ الحياءُ من أن يَتَفَقَّهْنَّ في الدِّين) .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشرف على حَلَقات العِلم التي كانت تنتشر في أرجاء المسجد النبوي الشريف خاصة في بواكير الصباح حيث حدَّث عبد الله بن عمرو ابن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بمجلسين أحدهما فيه دعاء وإقبال على الله والآخر فيه عِلم ، فأقرَّهما وقعد في مجلس العلم. وقد شجَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم على استخدام الوسائل المتاحة آنذاك لتوضيح المعاني والدروس سواء كانت بصرية أو سمعية، ومن أمثلة ذلك ما رواه ابن مسعود بقوله: خطَّ لنا رسول الله خطًا بيده ثم قال : ( هذا سبيلُ الله مستقيماً ) وخطّ عن يمينه وشماله ثم قال: ( هذه السبلُ ليس منها سبيلٌ إلا عليه شيطانٌ يدعو إليه ) ثم قرأ صلوات الله وسلامه عليه {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، ولو أن الوسائل التعليميّة المُتاحة لنا في عصرنا هذا وجدت في عصر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لحثّ على استعمالها ولكان أول من يستعملها.

واستمر المسجد في التطور والنمو جيلاً بعد جيل ليؤدي مهامه في صناعة الحياة ليصبح جامعات ومنارات علمية وفكرية رائدة ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، فجوامع – الألف والتي سميت كذلك لأنه مضى على تأسيسها أكثر من ألف عام- كجامع عمرو بن العاص قلب الفِسطاط الفكريّ ومهد الحركة العلمية في مصر ، والذي كان يشهد مئات الزوايا العلمية، والجامع الأمويّ في دمشق ، وجامع المنصور ببغداد، وجامع القرويين في فاس بالمغرب الذي امتاز بالنظام التعليميّ الجامعيّ وديموقراطية التعليم وطرق التدريس فيه فكان له شروط دقيقة للتعيين ووظائف التدريس وتخصيص كراسي الأستاذية والإجازات الفخرية، فقصدها المسلمون وغير المسلمين من شتى أرجاء العالم وخاصة من أوروبا أمثال القِسّ (غربرت دورياق) الذي أصبح بابا روما ، وكذلك كان حال الجامع الأزهر الذي بدأ كغيره كمسجد لإقامة الشعائر التعبدية وسرعان ما أصبح جامعة يُدرس فيها العلوم المختلفة وتُخَرِّج منها علماء عمالقة في كل مجالات الحياة.

واشتركت كلّ هذه الجامعات العظيمة في تشجيعها لطلبتها على مبدأ المناقشة والمناظرة والتمرس عليها ، فأصبح من المألوف أن يخالف الطالب أستاذه في الرأي في إطار الأدب المتعارف عليه ، وبهذا أوجدت المؤسسة العظيمة التي يطلق عليها (المسجد - بمفهومه الشامل) أجيالاً ستظل معجزة العالم ومفخرته ، ولها فضل على كلّ علوم الدنيا الشرعية أو الكونيّة أو الإنسانيّة ، حيث كوّنت أساس النهضة العلميّة والصناعية في الغرب.

وحظي القرنان الخامس والسادس الهجريان بالتوسع في بناء المدارس المنفصلة عن المساجد مما أدى تدريجياً إلى فقد شمولية التعليم في حلقات المسجد ليقتصر على العلوم الشرعية، وبدأ الضعف العلميّ يدبّ في الأمّة ، ومما زاد في تسارع الضَّعف والانهيار حدوث كوارث ثلاث في تاريخ أمة الإسلام على مدى ثلاثة قرون : الأولى : حرق مدينة الفِسطاط عام 564هـ ، والثانية : تخريب وحرق التتار لبغداد مركز الحضارة الإسلاميّة آنذاك في عام 656هـ ، والثالثة : سقوط الأندلس عام 897 هـ ، وفقد المسلمون الزعامة العلميّة ومن ثمّ فقدوا قيادة البشرية ، وورثت أوروبا التراث العلمي وحمله أبناؤها وقَدَرُوه حقَّ قدره فرفع قدرهم ليتسلموا من المسلمين الزعامة العلميّة وقيادة البشرية، وأصبح المسلمون يتخبطون في الجهل وضاعت هويتهم الإسلاميّة فبدأوا يفصلون بين التعليم الدينيّ والتعليم الدنيويّ وهو مفهوم غريب عند جيل عمالقة المسلمين ، وانفصل بذلك البعد الروحيّ والخُلُقيّ والتربويّ للمسجد عن العلوم الدنيويّة ، وضعف التحصيل في علوم الدنيا التي فيها قِوام الحياة ، وعمل الاستعمار على تقليص التعليم الإسلاميّ الشامل فعملت بريطانيا على الأزهر وفرنسا على جامع القرويين في فاس ، وكذلك الحال بالنسبة لجامع الزيتونة بتونس ، ومن وسائل تحجيم وتحييد هذه المساجد الجامعيّة إضعاف أوقافها، وتخرجت أجيال ممن صُبغت بغير صبغة الله وبغير صبغة مدرسة الإسلام ، وابتعد المسلمون أكثر فأكثر عن مفهوم الشمولية العلميّة وعَمَارة الأرض والأخذ بأسباب كلّ ما يقيم الحياة ويبنيها ، بل وعندما فقدت صبغة المسجد فُقد الإخلاص في تلقي العلوم ، وسُخِّرت أمم أخرى العلوم بمعزل عن القِيَم الروحيّة وما يُصلح النفس البشرية.

إن ضعف دور المسجد هو انعكاسٌ لِضَعْف الأمّة الإسلاميّة ولن تكون الصحوة والنهضة الإسلاميّة إلا عندما يقوم المسجد بدوره الشامل ويرتقي بأساليبه ووسائله التربويّة والتعليميّة والتوجيهيّة بما يتناسب مع احتياجات العصر ومقتضياته ليصبح قلب الحياة الإسلامية من جديد ، وهو واجب دينيّ وعصريّ حيث لا يتم واجب تعليم الجيل إلا به ، (ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ) .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com