» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

 
التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
 
وجه القرآن الكريم البشرية إلى الإستفادة الواعية من واقع التعدديّة في المجتمعات بأن تسعى كلّ جهة لبناء ذاتها وأن تثبت تفوّقها وتقدّمها عبر ما تُنجزه من أعمال الخير والصلاح وما تحقّقه من عَمارة للأرض وخدمة للإنسان والحياة .

والله سبحانه تعالى لم يجعلنا على شاكلة واحدة وذلك لكي نتجه نحو أحسن العمل عند تضارب الآراء ليرتب عليه أكبر الأجر والعطاء ، يقول سبحانه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} .

فالأرض وخيراتها للنّاس جميعاً على اختلاف أعراقهم وأديانهم وتوجهاتهم ، والحوار وإرادة التعايش السلميّ والتفاهم هو الذي يجمعهم على الخير والاستقرار والتقدم .

ولعلّ كلمة (جميعاً) في الأمر بالاعتصام بحبل الله تعالى وعدم التفرّق عنه والتشتت في قوله تعالى : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تفيد مشروعية التعدديّة ، وهي توحي في الوقت عينه إلى ضرورة الصبر عليها ترجيحاً للمصالح العامة التي هي من أهمِّ مقاصد الشريعة الحاضنةِ للإنسانية كجوهرةٍ واحدة يشترك فيها أبناءُ البشر كلّهم ، فكان على الناس أن يحترموا إنسانيةَ بعضهم البعض كما احترمها الإسلام فيهم مهما اختلفت اتجاهاتهم الفكريّة والسلوكيّة .

ونبيُّ الإسلام صلوات الله وسلامه عليه أقام مجتمعَه المدنيّ المتكامل على أساس وحدة الإنتماء إلى الوطن ، إذ قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} والتحالفات والمعاهدات السلميّة التي عقدها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه مع اليهود والنّصارى والمشركين في الجزيرة العربية ، وهي تشكل أمثلة ونماذج مشرقة لما يريده الإسلام من قيام علاقات إنسانية إيجابية بين المختلفين واحترام حريّاتهم وتأطيرها في بوتقة الوحدة الوطنيّة ، حيث قـال الله سبحانه وتعالى للنبي صلوات الله وسلامه عليه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ،وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

وفي السنة الأولى من هجرته صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة المنوّرة قامَ بوضع دستورٍ سياسيٍّ يُنظم به إدارة المجتمع التعدديّ في ظلِّ الدولة الإسلامية الناشئة والذي عُرف ـ بصحيفة المدينة ـ التي تضمنت الاعتراف بمواطنة غير المسلمين وعضويتهم في تكوين المجتمع الوطنيّ الجديد ، وحددت هذه الصحيفة الواجبات التي عليهم والحقوق التي لهم، شأنهم في ذلك شأن بقية المواطنين المسلمين .

تقول إحدى فقرات تلك الصحيفة : (لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ... وأنّ على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ) .

وفي رسالة بعثها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه إلى نصارى نجران يؤكد فيها حقوقهم الكاملة في ظلّ الإسلام ، فقد ورد فيها : (بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد النبيّ رسول الله إلى أُسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم : أنّ لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير ، من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم) ... وهكذا كانت لهذه الوحدة الوطنية آثارٌ زاهرة في الأخلاق الاجتماعية بين تلك التعدديّات .

وعلى صعيد المسلمين واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم العصبيّة والقوميّة والقبليّة في العلاقات الاجتماعية حتى شجَّع المسلمين على التداخل والاندماج فيما بينهم جاعلاً الزواج أوثق الأبواب لتجاوز تلك الحواجز ، ومن ذلك حثّه صلوات الله وسلامه عليه على تزويج (جُوَيْبِر) وكان من السُّود من فتاة عربية عريقة النَّسب هي (الدَّلفاء بنت زياد بن لبيد) فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيها زياد : (يا زياد ، جُوَيْبِر مؤمن والمؤمن كفوء المؤمنة والمسلم كفوء المسلمة فزوِّجه يا زياد ولا تَرْغَب عنه) .

ولمعت في بناء الصَّرح الأول للوحدة الوطنيّة والسِّلم الاجتماعيّ أسماءٌ كسلمان الفارسيّ وصهيب الروميّ وبلال الحبشيّ إلى جانب الصحابة العرب من قريش وفِتيان يثرب ، ثم اتَّسعت صدور المسلمين ليستوعبوا مختلف الأعراق والقوميّات ، فأصبحت الأمة الإسلاميّة متكوِّنة منهم ، توّحدهم قِيَم مشتركة يتحمّلون بهديها خلافاتهم ، ويصونون من وحيها حريّاتهم ، ويتعاونون بها في بناء حضارتهم ، بذلك اعتنقت الشعوب دين الإسلام العظيم فساهمت في بناء حضارته المدنيّة الشامخة ، فدخل في الإسلام السلميّ الموحد أُناس كثيرون من الرُّوم والفُرس والتُّرك والهنود والزنوج والبربر والأكراد ، ولا زال يدخله أوروبيون وأميركيون وصينيون وروس وآخرون .

إنّ التعايش كمفهوم في القواميس الحقوقيّة والسياسيّة ما هو إلا اعتراف كلّ طرف للطرف الآخر بحقّه في التّمسك بمعتقداته وممارسة شعائِره الدينيّة واجتهاداته السياسيّة بعيداً عن كلِّ ألوان العنف ، وفي ظلِّ هذا التعايش يكون المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات ، ومتعاونين لتحقيق المصلحة الوطنية العليا في مواجهة الأخطار كلها ، وهذا ما تأمر به رسالة الإسلام الحضاريّة السَّمْحَاء ، وتفرضه طبيعة العيش في ظروف حياتيَّة واحدة ضمن إطار الوطن الواحد .

وإنّ من الواجب على رجال الدِّين على تنوعهم ، الدعوة إلى الوحدة والوئام والمحبّة ونبذ العُنف وتحذير النَّاس من النَّعَرات والفتن الطائفيّة والمذهبيّة ، وإنّ من الواجب على رجال الفكر والإعلام والثقافة أن يوجِّهوا أقلامهم لإشاعة روح التسامح والالتفاف حول المشتركات وعدم إثارة الجَدَلِيَّات العقيمة ، كما أن على كلّ مواطن مسؤولية المساهمة الواعية والمخلصة في صنع الوحدة الوطنية من خلال اهتمامه بالنُّضج الثقافيّ والموقف الأخلاقيّ والتعامل السليم مع سائر إخوانه المواطنين ، لأن النزاع والتناحر يهدِّد مستقبل الوطن .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com