» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

في رحاب العشر الأواخر من رمضان

نعيش في هذه الأيام المباركة الثلث الأخير من شهر رمضان المبارك الذي ننعم بحمد الله تعالى بروحانيّته وخيره وفضله وصفائه ، لأنه شهر نترقبه جميعاً من العام إلى العام لنسعد فيه بإخلاص العبادة وننعم بدفئها وصفائها ... وهذه أمور لا تكون ولا تُنال إلا بتقوى الله تعالى والإخلاص في التوجّه والقصد ، وبُعدٍ عن الهوى والأنانيّة .

أيام معدودات بقيت من شهر رمضان المبارك فيها الكثير من الخيرات والفضائل والخصائص ، فهي أفضل أيام شهر رمضان المبارك ولياليها أفضل ليالي العام كلّه ، وهي أيام وليال ذات فضل جديرة بالاهتمام فقد كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يخصُّها بمزيد من العبادة ، ويُضاعف فيها الأعمال الصالحة ، ويجتهد فيها بأنواع من القرب والطاعة بجميع أنواع العبادة من صلاة وقراءة لكتاب الله عز وجل وذكر وصدقة ... وغيرها ما لا يجتهد فيما سواها من الأزمنة ، وكان يحيي هذه الليالي المباركة بالقيام والتلاوة والذكر بقلبه ولسانه وجوارحه طلباً لليلة القدر التي من قامها إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه فيها ، وكان صلوات الله وسلامه عليه يوقظ أهله فيها للصلاة والذَّكر حِرصاً على اغتنام الخير في هذه الليالي المباركة .

ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره .

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل ، وأيقظ أهله ، وجدّ وشدّ المئزر.

وعن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم ، فإذا كان العشر شمر وشدّ المئزر .

وفي أيام وليالي العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك كان يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم ، والاعتكاف هو لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله عز وجل ، وهو من السنن الثابتة بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم واعتكف أصحابه رضوان الله تعالى عليهم ، روى أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط ، ثم قال : (إني أعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة ، ثم اعتكف العشر الأوسط ثم أُتيت فقيل لي إنها في العشر الأواخر ، فمن أحبّ منكم أن يعتكف فليعتكف).

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده .

وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً.

وعن أنس رضي الله عته قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، فلا يعتكف عاماً ، فلمّا كان العام المقبل اعتكف عشرين .

والاعتكاف هو ترك الإنسان الناس ليتفرغ لطاعة الله في مسجد من المساجد طلباً لفضله وثوابه وإدراك ليلة القدر .

وينبغي للمعتكف أن يشتغل بالذِّكر والقراءة والصلاة وأنواع العبادة ، ويتجنب ما لا يعنيه من حديث الدنيا .

ومن خصائص ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان وفضلها شرفاً وفضلاً أن الله اختصّها بليلة القدر التي عظَّم سبحانه قدرها وأعلى شأنها ، وشرّفها بإنزال الوحي المبين على سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه ، وفيها يُفرق كل أمر حكيم ، والعبادة فيها تفضُل عبادة ألف شهر خلت من ليلة القدر ، فهي ليلة عظيمة البركات ، كثيرة الخيرات ، لِما يتنزل فيها على العباد من عظيم المِنَح الربَّانية ، وجليل النفحات الإلهية ، وهي ليلة من أعظم ليالي الدهر ، ليلة مباركة العمل فيها يُضاعف أكثر من العمل في ألف شهر ، ليلة تَضِيق فيها الأرض من كثرة الملائكة ، وهي ليلة الشّرف التي من تحرَّاها صارت له المنزلة عند الله تعالى ، وهي ليلة يُباهي الله تعالى فيها الملائكة بعباده الصالحين ، وفيها يقدر الله تعالى لملائكته جميع ما ينبغي أن يجري على أيديهم من تدبير بني آدم ومحياهم ومماتهم إلى ليلة القدر من السّنة القابلة ، وهي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً ولا يُحدث فيها أذى ، وهي سبب للسلامة والنّجاة من المهالك يوم القيامة.

إن من صِدق إيمان العبد ، ودلائل توفيق الله له أن يغتنم هذه الليالي المباركة ، بجلائل الأعمال الصالحة ، وأنواع العبادة والطاعة ، والتّذلل بين يديّ الله عز وجل ، والإنابة إليه، أَمَلاً في إحراز فضل ليلة القدر ونيل بركاتها ، فلقد بلغ من عظيم فضلها وجليل ثوابها أن من قامها بنيّة خالصة وعبودية صادقة كفّر الله عنه ما سلف من ذنوبه وخطاياه ، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) ، وندب رسول الهُدى أمته إلى التماس ليلة القدر في ليالي الوتر من العشر الأواخر ، أو السبع البواقي من هذا الشهر الكريم ، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (التمسوها في العشر الأواخر ، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يُغلبن على السبع البواقي) ، وفي لفظ آخر له: (فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السبع الأواخر) ، وقد سألت أمّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله عما تدعو به ليلة القدر إن هي علمتها، فأرشدها أن تقول: (اللهم إنك عفوّ ، تحبّ العفو ، فاعف عنّي) .

فلنغتنم ما هيأ لنا الحقّ عزّ وجلّ من هذه الأزمنة الفاضلة والمواسم المباركة ، التي تُضاعف فيها الحسنات ، وتُقال فيها العَثَرَات ، بما يقرِّبنا إلى الله تعالى ، ويبلّغنا رضاه ، وأن نغتنم هذه الفضائل الربّانية والمِنح الإلهية بالتزوّد بالصالحات ، والمسابقة إلى الخيرات ، والمحافظة على العبادات من صلاة وصيام ، وصدقة وبرّ وإحسان ، وعطف على الفقراء والأيتام ، والإكثار من الاستغفار ، وإدامة ذكر الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار ، فإن ذكر الله تعالى يزكّي النفوس ، ويشرح الصدور ، ويُورِث الطمأنينة في القلوب ، كما قال عزّ شأنه: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوب} ، وإن خير أنواع الذكر قَدْراً وأعظمها عند الله أجراً تلاوة كتاب الله الكريم الذي {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ، فقد كان من هديه صلوات الله وسلامه عليه الإكثار من تلاوته في رمضان أكثر من تلاوته في غيره، وكان جبريل يأتيه في رمضان يدارسه القرآن ، وقد أبان صلوات الله وسلامه عليه عن فضل تلاوة كتاب الله ، وعظيم ثوابه بقوله: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول: ألم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف) .

وإن مما ينبغي التذكير به لا سيما تذكير ذوي الغِنى واليسار أن يُعنوا بأداء الزكاة ، فإنها من آكد أركان الدين ، ومن أجل محاسن الشرع المبين ، فرضها الحقّ عزّ وجلّ لمصالح ومنافع عُظمى ، فهي سبب لتزكية النّفوس ، وطهارة القلوب ، ونماء الأموال ، ومن أكبر عوامل الألفة والمودّة بين المؤمنين ، ومن أعظم مظاهر التكافل الاجتماعيّ بين المسلمين ، فلنخرجها كاملةً غير منقوصة بنيّة صالحة ونفوس بالخـير مغتبطة ، دون منٍّ ولا أذى ، ومن غير استكبـار ولا استـعلاء ، فقد قال جلّ وعلا: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ، ولنحافظ على هذه الفريضة وغيرها من فرائض الله ، ونخلص القصد والنيّة فيها لله عز وجل وفي جميع أعمالنا، فإن العمل الصالح إذا شابه شيء من الرِّياء أو السُّمْعَة كان من أسباب إحباطه وعدم قبوله ، فقد جاء في الحديث القدسي عند مسلم وغيره أن رسول الله قال : (قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ لِيْ عملاً أَشْرَكَ فِيْهِ غَيْرِيْ فأَنَا مِنْهُ بَرِيْءٌ وَهُوَ لِلَّذِيْ أَشْرَكَ) .

فلنتقِ الله ، ولنغتنم ما تبقى من أيام هذا الشهر ولياليه بالمسارعة إلى طاعة الله ومرضاته ، والتعرض لنفحاته وألطافه ، فربما أدركت العبد نفحةٌ من نفحات ربّه فارتقى بسببها إلى درجات المقرّبين ، وكان في عداد أولياء الله المتّقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

اللهم إنا نعوذ بنور قُدسك وجلالك وعظمتك من خزيك وكشف سترك ومن نسيان ذكرك والانصراف عن شكرك ، اللهم أدخلنا في حفظ عنايتك ورحمتك وجودك ، ونسألك يا ربنا أن توفقنا للقيام بطاعاتك على الوجه الذي ترضى به عنا ، وأن تزك نفوسنا وأقوالنا وأفعالنا ، وأن تطهر نفوسنا من سوء الفكر والقول والعمل ، ونسألك اللهم في أيام العشر الأواخر من شهرنا المبارك وفي ليلة القدر الطيبة المباركة أن تغفر لنا ولوالدينا ولأزواجنا ولأولادنا ولأحبائنا ولكلّ من له حقّ علينا ، وأن تتقبل منا صيامنا وتجعلنا من المقبولين لديك في الدنيا والآخرة ، وأن تغيّر حالة أمتنا من حالة الإحباط واليأس والانهزام إلى حالة التوحد والعزة والتمسك بمبادئ الحق ، وأن تكتب لها النصر والعزة على أعدائها ... برحمتك يا أرحم الراحمين.

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان
القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان
» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com