» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

الفرقان والفتح
يومان من انتصارات شهر رمضان

اقترن شهر رمضان بحدثين كريمين مباركين وقعا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم هما يوم بدر (يوم الفرقان) ويوم فتح مكة (يوم علو الشأن) ، وتجلت في هاتين المعركتين أو في هذين الحدثين الجليلين معاني عظيمة ودلائل سامية وعظات بالغة لمن ألقى السمع وهو شهيد .

ولعل من أعظم ذلك وأجلّه يقين المؤمن بعد أن يتدارس السنّة والسيرة العطرة والأيام النضرة وبالأخص هذين الحدثين ، بأن الأمور إنما تُدبر في الملكوت الأعلى ، وأن الله جل وعلا وحده الفعّال لما يريد ، ولا يقع في الكون إلا ما أراده الله تعالى ، خفي ذلك عن البعض أو ظهر ، وهذا أمر الله عز وجل وحده .

ذكر الله تعالى مسيرة ركب مشركي مكة - أي قافلة أبي سفيان - ، وذكر الربّ تبارك وتعالى خروج خير الخلق صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وذكر تعالى خروج قريش بخُيلائها تستنصر لقافلتها ، كلّ فريق كان يحسب أمراً ووقع آخر ، قال الله عز وجل: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَـكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } ، لقد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر ليطلب العير ، وخرجت قريش تنتصر لقافلتها ، ونجّى أبو سفيان القافلة ، ولكن الله جل وعلا أخّر وقدّم في الإخبار بما وقع ، حتى يلتقي الفريقان ويلتحم الجيشان، ثم يكون يوم الفرقان كما أراد ربنا تبارك وتعالى ، نصرة لنبيه وإظهاراً لدينه ، وإعلاءً لشأن كلمة التوحيد التي بعث الله بها الرسل وأنزل الله تعالى من أجلها الكتب .

تجلى في هذين الحدثين العظيمين إكرام الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر الذي أعطاه الله تعالى لأنبيائه ورسله ، ولهذا قال الله مخاطباً خير خلقه : {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} ، فقد صبر الرسول صلوات الله وسلامه صبراً كبيراً على إيذاء قريش وطواغيتها ، ومن هذا الإيذاء أنه عندما كان صلوات الله وسلامه عليه ساجداً أيام بعثته الأولى عند الكعبة ، انتدبت قريش رجلاً منها يضع سلا الجزور على ظهره الشريف وهو أكرم الخلق على الله ، فمكث سلا الجزور على ظهره الشريف ما شاء الله له أن يمكث ، وعبد الله بن مسعود مُسلِم حاضر لا يستطيع أن ينتصر لنبيّه ، إلى أن جاءت فاطمة ابنته عليها السلام بعد أن أُخبرت بما حلَّ بنبي الله ، وحملت سلا الجزور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظر صلى الله عليه وسلم إلى أولئك الذين أئتمروا عليه وتهكموا به ، فدعا عليهم ، وما هي إلا سنوات حتى انتقم ربّ الأرض والسموات لخير من ختم الله به الرسل وأتم الله به النبوات ، فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه وقد شهد الواقعة الأولى : لقد رأيت من دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى يوم بدر في القليب قليب بدر .

وفي أيام البعثة الأولى هَمَّ صلى الله عليه وسلم أن يدخل الكعبة فمنعه من دخول البيت عثمان بن أبي طلحة سادن الكعبة يومئذ ، فقال صلى الله عليه وسلم : يا عثمان كيف بك إذا كان المفتاح بيدي أضعه في يد من أشاء ، فقال عثمان: لقد ذلّت قريش يومئذ وهانت ، ثم مضت السنون ومرت الأعوام ، والله جل ثناؤه يحفظ نبيه وينصره ويكلؤه حتى دخل صلى الله عليه وسلم الكعبة يوم الفتح عزيزاً - وما كان ذليلاً قط - منيعاً محفوظاً بحفظ الله تعالى له ، حيث كبر في نواحيها ، وصلى في البيت ركعتين ، ولما هَمَّ بالخروج أنزل الله تعالى عليه عند باب الكعبة : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ، فنادى صلى الله عليه وسلم بعدما خرج : أين عثمان بن طلحة ؟ قال : أنا هنا يا رسول الله ، فأعطاه النبي مفتاح الكعبة كما أخبره ، وقال : خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ، فهي إلى اليوم فيهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وصدق الله وهو أصدق القائلين :{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} ، وصدق الله وهو أصدق القائلين : {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} .

تجلّى في هاتين المعركتين العظيمتين محبة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه ، فقد آمنوا بأن الله واحد لا شريك معه ، وهو الذي بعثه بالهدى ودين الحق ، فأحبّوا نبيهم ونصروه وعزّروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه ، رضي الله عنهم وأرضاهم .

ففي الغزوات وفي غيرها من كل موطن أثبتوا محبّتهم ونصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تجلّى ذلك فيهم أفراداً وجماعات ، فعلى مستوى الجماعة فالأمر ظاهر في كل غزوة وسريّة ، وعلى مستوى الأفراد وفي يوم بدر وقف صلى الله عليه وسلم يُقَوِّم صفوف الجيش قبل المعركة ، وإذا بسوّاد بن غزية رضي الله عنه وأرضاه بارز في الصف ، فطعنه صلى الله عليه وسلم بقدح كان معه في بطنه ، وقال له : (استوي يا سوّاد) - أي ارجع إلى الصف - ، قال يا رسول الله : أوجعتني ، وقد بعثك الله بالعدل والحق فأقدني ، فكشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال له : (استقد) - أي خذ حقك - ، فأقبل سواد على بطن رسول الله يعانقه ويقبله ، فتعجب صلى الله عليه وسلم وقال : (ما حملك على هذا يا سوّاد ؟) قال يا رسول الله : قد حضر ما ترى - أي من قرب الموت ودنو الأجل - فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك ، هذا نموذج من نماذج كثيرة لتلك المحبة التي كانت في قلوبهم رضي الله عنهم وأرضاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقد تجلت هذه المحبة عند الأنصار على وجه الخصوص الذين قال الله تعالى عنهم:{وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } ، فرضي الله عنهم وأرضاهم وجمعنا بهم في جنات النعيم مع رسولنا صلى الله عليه وسلم.

إن وعد الله حقّ لا محالة ، وما الدنيا إلا زهرة حائلة ، ونعمة زائلة ، وكان طغاة قريش عندما بُعث نبينا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحقّ يحذرهم يوم المعاد ويوم البعث والنشور وحشر العباد ، يستهزئون به ويسخرون به ، وقال له العاص بن وائل وقد حمل رفات عظم : أتزعم يا محمد أن ربّك يحي هذا بعد موته ، قال صلى الله عليه وسلم : (نعم ويدخلك النار) ، ثم كان ما كان من قتلى المشركين يوم بدر ، حيث وضعهم صلى الله عليه وسلم في بئر مهجورة تعرف بالقليب ، ثم وقف صلى الله عليه وسلم يناديهم : (يا أبا الحكم بن هشام ، يا شيبة بن ربيعة يا عتبة) - يناديهم بأسمائهم - هل وجدتّم ما وعدكم ربّكم حقاً ؟ ، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً ، فقال له عمر رضي الله عنه: يا نبي الله أتخاطب أقواماً قد جيفوا ، قال: (يا عمر ما أنت بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون جواباً) .

تجلى في هاتين المعركتين ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من خُلق عظيم وقلب رحيم ، وقد بعثه الله رحمة للعالمين ، إذ لما فدت قريش أسراها بعثت السيدة زينب رضي الله عنها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة كانت أمها خديجة قد أعطتها إياها يوم فرحها لتفدي بها زوجها العاص بن الربيع ، فلما رأى صلى الله عليه وسلم القلادة ، تذكر خديجة عليها السلام ، ورق لابنته زينب ، ودمعت عيناه صلوات الله وسلامه عليه ، ولما وقف في مكة بعد أن مَنَّ الله عليه بالفتح الأعظم والمقام الأكرم ، قال : (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم ؟) قالوا : أخٌ كريم وابن أخٍ كريم ، فقال صلى الله عليه وسلم : (اذهبوا فأنتم الطلقاء) .

إن عفو رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدرته على من آذاه لهو دليل على المنزلة العظيمة التي تبوأها صلوات الله وسلامه عليه من الخُلِق الجمّ والسلوك القويم ، ولا ريب أن الله عز وجل تعاهده وربّاه وأدّبه فأحسن تأديبه ، قال عليه الصلاة والسلام: (إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمجندل في طينته) .

لقد جعل الله تعالى البيت الحرام قياماً للناس ، وجعله مثابة للناس وأمناً ، فحقّه أن يعظم ويبجل شرعياً ، فيعظم مادياً بتطهيره وإعداده للطائفين والعاكفين والركع السجود ، ويعظم معنوياً بأن يذكر الله عز وجل عنده وأن يطاف حوله ، فقد دخل صلى الله عليه وسلم الكعبة وطهّرها من الأصنام ، وصلى بالبيت ركعتين، وطاف حوله ، وأمر بلالاً أن يرقى على سطح الكعبة وأن يؤذن ، وبقيت الكعبة إلى اليوم وستبقى منارة سامية وقمّة شامخة لتوحيد الله تعالى .

من غزوة بدر الكبرى (يوم الفرقان) نستلهم إكرام الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر الذي أعطاه الله تعالى لأنبيائه ورسله عليهم السلام ، ونستلهم مشاعر وأحاسيس المحبة والرضا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم تحت رايته لا يقولون غير قوله، لا يتقدمون عليه ولا يؤخّرون أمراً أمر بإمضائه صلوات الله وسلامه عليه ، وسلامٌ عليهم يوم قال قائلهم: ( يا رسول الله امض لما أمرك الله ، وَصِلْ حبال من أردت ، واقطع حبال من شئت ، فإنا سِلمٌ لمن سالمت ، وحرب لمن حاربت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، والله ما أخذت منها أحب إلينا مما تركت ) ، سلام عليهم من الله ورحمات{رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } .

وإن أحداث الفتح المبين (فتح مكة) وما تقدمه من وقائع ، وما صاحبه من مواقف ، وما انتهى إليه من عبر سلسلة طويلة يصعب الإلمام بها في هذه العجالة ، ويكفي أن نقول فيها أنها تمثل تراثاً ضخماً من سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في السِّلم وفي الحرب ، وقائع ومواقف وعبر ثرية بالمواعظ والحكم ، غنية بآيات الهدى ، يقف المسلمون عند هذه المحطات التاريخية في كل عام مواقف المستلهمين لتلك المواقف النبوية الرشيدة .

اللهم لك الحمد ، من خشيتك تتجافى عن المضاجع الجنوب ، وبرجاء رحمتك تتنفس عن نفوس الخائفين الكروب ، وبروح محبتك تطمئن القلوب ، فما طابت الدنيا إلا بذكرك ومعرفتك ، وما طابت الآخرة إلا بقربك ورؤيتك ، اللهم إنا نتضرع إليك ، وأنت القائل أدعوني أستجب لكم ، فنسألك يا ربنا أن تلطف بنا وبعبادك الصالحين لطفاً شاملاً كاملاً تقر به أعين المؤمنين ، وتشرح به الصدور ، وتيسر به الأمور ، وتدفع به جميع الشرور ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان
القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان
» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com