» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

بالإدراك والعاطفة والإرادة

نستقبل شهر رمضان المبارك

اعتاد الناس ألاّ يتكلموا عن الصيام وأحكامه وآثار وفضائل شهر رمضان إلا حينما يوافيهم هذا الشهر المبارك ، فإذا جاء رمضان وباشروا صيام أيامه وجدتهم يتوجهون إلى المساجد لحضور حلقات العلم وليستمعوا إلى الوعاظ وهم يذكّرونهم بفضائل هذا الشهر الكريم وبركاته وميادين الطاعة فيه .

إن ما اعتاده الناس من الغفلة عن التفكير في شهر رمضان إلا حينما يفاجئهم هذا الشهر بمقدمه، لا يليق بحسن الاستقبال لهذا الشهر الكريم والتعرض لنفحاته وبركاته من جهة ، كما أنه مخالف لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الموقف .

فمن المعروف أن الإنسان لا يحسن ولا يجيد عمل شيء إلا إذا تهيأ له نفسياً واقتنع بضرورة عمله ، ونكاد نلمح ذلك في استعداد الرسول صلى الله عليه وسلم لاستقبال شهر رمضان حيث يقول أنس رضي الله عنه : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رجب، قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان ، وبلّغنا اللهم رمضان) ، فالرسول عندما كان يسأل ربه أن يبلغه شهر رمضان ، يلفت الأنظار إلى ما كان في نفسه من الشوق الشديد إلى لقائه ... حتى إنه ليتفكّر فيه قبل مولد هلاله بشهرين كاملين .

ونحن الآن على وشك أن يهل علينا هلال هذا الشهر ، وتُفتح أمامنا مجالات العمل الصالح فيه، لابدّ لنا أن نحسن الاستقبال بأن نستعد استعداداً كاملاً لذلك : استعداداً يتعلق بالإدراك واستعداداً يتعلق بالعاطفة ، واستعداداً يتعلق بالإرادة .

ولابدّ أن نعِّود أنفسنا على هذه الأنواع الثلاثة من الاستعداد ، لأن الاكتفاء بواحد منها لا يحقق المطلوب من حسن الاستقبال ، ولأنها تتساند معاً في النفس الإنسانية ويؤدي بعضها إلى البعض الآخر ، فالإدراك يثير العاطفة ، والعاطفة تدفع الإرادة ، ثم إن توفرت الإرادة زاد الإدراك وضوحاً وعمقاً والعاطفة انفعالاً وحدّة .

- الاستعداد الإدراكي لاستقبال رمضان : يكون باتضاح مفهوم هذا الشهر الكريم في العقل، إذ نلاحظ أن هناك خطأً شائعاً في تصوّر هذا المفهوم ، فالناس يتحدثون عن شهر رمضان كما يتحدثون عن فريضة الصيام ، وكأن رمضان والصيام لفظان مترادفان يفيد أحدهما معنى الآخر بلا زيادة أو نقصان ، والحقيقة أن التداخل بين شهر رمضان وفريضة الصيام أمر قائم ، ولكن الخلط الكامل بينهما يجعلنا نغفل عن كثير من الخير الذي يرشدنا إليه الفصل بينهما : فينبغي أن نفهم (الصيام) كعبادة من عبادات الإسلام على حدة ، وأن نفهم (رمضان) كشهر مبارك من أشهر العام القمري على حدة ، ولا بأس بعد ذلك من الجمع وإحداث التداخل .

فالصيام عبادة إسلامية، يشير الفقهاء إلى فروع أربعة لها : فهناك صيام الكفارات، وصيام النذور، وصيام النوافل، وهناك إلى جانب ذلك الصيام المفروض في الأيام المعدودات هي شهر رمضان ، فليس صيام رمضان إلا جزءاً من عبادة الصيام ، ومن يراجع مواضع ورود مادة (الصيام) في القرآن يجد أنها وردت في ثلاثة عشر موضعاً لا يخص صيام شهر رمضان منها إلا أربعة مواضع ، والمواضع الأخرى يشار فيها إلى الصيام بالتعميم تارة ، وبالتخصيص لفروع أخرى من الصيام تارة أخرى .

أما شهر رمضان فهو شهر مبارك نلمح فيه خمس خصال :

فهو شهر القرآن الكريم نزولاً ومدارسة لقوله تعالى : {شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيّنات من الهُدى والفرقان} قال ابن عباس رضي الله عنه : (وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن) .

وهو شهر الاعتكاف ، قال ابن عمر رضي الله عنه : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان) .

وهو شهر الجود ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان) .

وهو شهر القيام ، فعن أبي هريرة أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر) .

وهو إلى جانب ذلك شهر الصيام المفروض لقوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. فليس الصيام المفروض إلا جانباً من جوانب شهر رمضان .

فإذا أدركنا أن الصيام عبادة إسلامية لها فقهها وفلسفتها الكاملة ، وأن الصيام المفروض ليس إلا فرعاً هاماً من فروع هذه العبادة ، وإذا أدركنا أن شهر رمضان شهر مبارك يشتمل على خصال كثيرة من الخير ، منها فريضة صيام رمضان ، أمكننا بعد ذلك أن نجمع بين الصيام ورمضان، ونحن آمنون من أن الخلْط لن يصرفنا عن جوانب الخير التي أبان عنها الفصل ، وبذلك أيضاً يكون مفهومنا عن شهر رمضان أنضج وأدق .

ومن الاستعداد الإدراكي لشهر رمضان أن نستعرض ما ورد في فضائله وثواب صيامه ، فمن ذلك : قوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (أول شهر رمضان رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلّقت أبواب النار وصُفّدت الشياطين)، وقوله صلى الله عليه وسلم : (إن للجنة باباً يقال له الريّان ، يقال يوم القيامة : أين الصائمون ؟ فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (أعطيتْ أمتي في شهر رمضان خمساً، لم يعطهنّ نبي قبلي : أما الأولى : فإنه إذا كانت أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم ، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً ، وأما الثانية : فإنّ خَلُوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ، وأما الثالثة : فإن الملائكة يستغفرون كل يوم وليلة ، وأما الرابعة : فإن الله عز وجل يقول لجنته : يا جنتي استعدّي وتزيّني لعبادي أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي ، وأما الخامسة : فإنه إذا كانت آخر ليلة من شهر رمضان غفر الله لهم جميعاً ، قال الرجل من القوم : أهي ليلة القدر يا رسول الله ؟ قال: لا ، ولكن ألا ترى إلى العمال يعملون ، فإذا فرغوا من أعمالهم وفّوا أجورهم).

- الاستعداد العاطفي لشهر رمضان : لا بد من العاطفة لكي ينتج الإدراك سلوكاً ، لأن الإدراك لابد من تعزيزه بأمور منها الانفعال العاطفي ، إذ مهما يحصل المسلم من معلومات عن شهر رمضان ومهما يبلغ استعداده الإدراكي له ، فإن سلوكه إزاء رمضان لن يتأثر ما لم تمس هذه المعلومات المدركة جانب الوجدان فيه ، وهنا فرق كبير بين أن (نُقَدِّرَ) شهر رمضان وبين أن (نُحِبَّه) ، وفـرق كبير كذلك بين أن نتوقع قدومه ، وبين أن نَحِنَّ إلى لقائـه ، ويتضح هذا الأمر من خلال قراءتنا لحديث أنس رضي الله عنه الذي يشير فيه إلى حنين النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاء رمضان قبل أن يولد هلاله بشهرين ، مما يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان شديد الشوق إلى ذلك اللقاء ، فينفعل وجدانه به، ويظل الرسول على هذه الحال الفريدة من الاستعداد العاطفي حتى يأتي شهر رمضان ويتراءى هلاله في الأفق ، فيبلغ الانفعال الوجداني ذروته ، ويحيي الرسول المقدم الكريم لرمضان بالدعاء المأثور : (اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام ، ربي وربك الله. هلال رشد وخير ) .

فلابد إذن من الاستعداد العاطفي للقاء هذا الشهر الكريم ، ومن ذا الذي لا يتأثر وجدانه، وتتأثر مشاعره للقاء شهر تغفر فيه الزلاّت وتضاعف الحسنات ، فأي رجل أثقلت الذنوب كاهله ففي شهر رمضان توبته ، وأي غافل صدأ قلبه ففي شهر رمضان جلاؤه ، وأي طائع وفقه الله فسبق بالخيرات ففي شهر رمضان قربانه .

- الاستعداد الإرادي لشهر رمضان : ليس هناك مؤمن مهما تكن حاله إلا وبينه وبين شهر رمضان ارتباط ، إن تنبّه إليه هفت روحه وتزايد شوقه ، فإذا نضج إدراكه لمفهوم شهر رمضان، وانفعل وجدانه بالعاطفة والشوق لهذا الشهر الكريم ... فلابد بعد ذلك من تصميم ترتبط به الإرادة ، ونية تنعقد عليها العزيمة ، ومعنى هذا أن من تمام الاستعداد لاستقبال شهر رمضان أن يرتب المسلم أحواله ، وينظّم شؤونه ، ويضع لنفسه البرنامج الذي يعينه على الطاعة ، والخطة التي تساعده على عمل الخيرات .

فعلى المسلم في شهر رمضان أن يصوم صيام العارفين لا صيام الغافلين ، فلا يكتفي بتجنب المُفْطِرات الواضحة كالأكل والشرب ...وغيرها من المُفْطِرات في أيام شهر رمضان ، ولكن عليه يتجنب غيرها مما يضيع أجر الصيام كالسبّ والصخب وقول الزور ، وأن يحرص على قيام المخبتين الذين يخرّون للأذقان يبكون من الخشية ، وعلى تسبيح المتبتلين الذين يرطبون ألسنتهم بالذكر ، وعلى جود المحسنين الذين لا تعلم شمالهم ما تنفق يمينهم .

إن النوايا الصالحة تظل أماني ما لم تتجاوز منطقة القصور في الإنسان إلى الإرادة المنفذة، ولابد قبل مجيء شهر رمضان من أن يراجع كل فرد منا ارتباطاته ومهامه والأعباء التي يضطلع بها ، وأن ينسّق هذه الأمور تنسيقاً عملياً يمكنه من الاستفادة من هذا الشهر المبارك ، فإن لم يفعل ذلك فإن الشهر سيفاجئه بأيامه فيجد نفسه مثقلاً بالمواعيد والأعباء التي تعجزه عن تحقيق ما فكّر فيه واشتاق إليه من الطاعة .

وبعد ... علينا أن نستعد بالفكر والفهم والإدراك ، والوجدان والنفس والعاطفة ، والإرادة والتصميم والعزيمة ، استعداداً يليق بجلال وروحانية شهر رمضان المبارك ، لنوفق بذلك في أداء العبادة المفروضة فيه ، ونوفق إلى سُبُلِ التوبة من المعاصي والآثام ، وإلى سُبُلِ الطاعة والخير والبر والرشاد .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com