» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر

اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل هذه الدنيا ممراً للآخرة , وميداناً للتنافس , وكان من فضله عز وجل على عباده وكرمه أن يجزي الكثير على القليل , ويضاعفَ الحساب , ويجعلَ لعباده مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة , فالسعيد في الدنيا والآخرة من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات , وتقرَّب فيها إلى خالقه ومولاه بما أمكنه من الطاعات والقربات , عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات , فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات , قال الحسن رحمه الله في قول الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} , (من عجز بالليل كان له من أول النهار مستعتب , ومن عجز بالنهار كان له من الليل مستعتب) .

والمهمة التي خلق الله سبحانه وتعالى البشر من أجلها هي عبادته وحده لا شريك له :

قال الله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} .

وقال تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

وقال تعالى : {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .

ولكن مع اليقين التام بأن الله جل جلاله مستغنٍ عن الخلق كلهم ، ولا حاجة له تبارك وتعالى لعبادتهم لما ورد في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً) ، ولقوله تعالى : {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} ، فإن نفع العبادة هو للإنسان المتعبد أولاً وأخيراً ، ولهذا قال العلماء : (إن مبنى الشريعة على تحصيل مصالح العباد في الدنيا والآخرة) .

فالعبادة هي مهمة الإنسان في هذا الوجود ولا ينبغي للإنسان أن يعيش غافلاً يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام ، لا يفكر في مصيره ، ولا يتقرب من ربه ، ولا يدري شيئاً عن حقيقة نفسه وطبيعة دوره في هذه الحياة حتى يوافيه الموت بغتة فيواجه مصيره المجهول دون استعداد له ، ويجني ثمرة الغفلة والجهل والانحراف في عمره الطويل أو القصير ، وحينئذ يندم حين لا ينفع الندم ويرجو الخلاص ولات حين مناص.

ومعنى العبادة : هي غاية الخضوع لله عز وجل مع غاية الحب ، ومن هذا التعريف ندرك أن العبادة المشروعة لا بد لها من أمرين :

الأمر الأول: هو الالتزام بما شرعه الله تعالى ودعت إليه رسله أمراً ونهياً وتحليلاً وتحريماً ، وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله سبحانه .

الأمر الثاني : أن يصدر هذا الالتزام عن قلب يحب الله تعالى ، فليس في الوجود من هو أجدر من الله تعالى بأن يحب ، فهو صاحب الفضل والإحسان الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكوراً ، وخلق له ما في الأرض جميعاً ، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، فمن عرف الله أحبه ، وبقدر درجته في المعرفة تكون درجته في المحبة.

والعبادة تشمل أمور الدين فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام ، والوفاء بالعهود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ضد المنافقين والكفار ، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل ، والدعاء والذكر والقراءة ، كذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمه ، والرضا بقضائه ، والتوكل عليه ، والرجاء لرحمته ، والخوف من عذابه .... وأمثال ذلك من العبادة.

فالعبادة تسع أمور الحياة كلها وتنظم أمورها قاطبة من أدب الأكل والشرب وقضاء الحاجة وسياسة الحكم وسياسة المال وشؤون المعاملات والعقوبات وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب .

من هذا البيان يتضح لنا الحقيقة الهامة لمفهوم العبادة التي ما زال يجهلها البعض من الناس الذين لا يفهمون من كلمة العبادة إذا ذكرت إلا الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة ونحو ذلك من الأدعية والأذكار ، ولا يحسبون أن لها علاقة بالأخلاق والآداب أو النظم والقوانين أو العادات والتقاليد .

إن مقتضى عبادة الإنسان لله وحده أن يخضع أموره كلها لما يحبه تعالى ويرضاه من الاعتقادات والأقوال والأعمال ، وأن يكيف حياته وسلوكه وفقاً لهداية الله وشرعه ، فإذا أمره الله تعالى أو نهاه كان موقفه: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} .

ففرق ما بين المؤمن و غيره : المؤمن خرج من العبودية لنفسه وللمخلوقين إلى العبودية لربه ، خرج من طاعة هواه إلى طاعة الله .

ولقد فسح الإسلام مجال العبادة ووسع دائرتها بحيث شملت أعمالاً كثيرة لم يكن يخطر ببال الناس أن يجعلها الدين عبادة وقربة إلى الله ، فكل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات ما دام قصد فاعله الخير ووجه الله لا اكتساب السمعة والثناء من الناس ، وكل عمل يمسح دمعة محزون أو يسد رمق محروم أو يشد به أزر مظلوم أو يأخذ بيد فقير أو يدفع شراً عن مخلوق أو أذى عن الطريق ... . حتى الحاجات الضرورية من أكل وشرب وزواج عبادة وقربة إلى الله إذا صحت فيه النية ، فالنية هي المادة السحرية العجيبة التي تضاف إلى المباحات والعادات فتصنع منها طاعات وقربات.

يستطيع الإنسان أن يجعل من عمله المعاشي صلاة وجهاداً في سبيل الله إذا التزم فيه بالشروط الآتية:

أولاً : أن يكون العمل مشروعاً في نظر الإسلام ، أما الأعمال التي ينكرها الإسلام فلا تكون ولن تكون عبادة أبداً لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً .

ثانياً : أن تصحب العمل المشروع النية الصالحة : نية المسلم بإعفاف النفس وإغناء الأسرة ونفع الأمة وعمارة الأرض كما أمر الله تعالى .

ثالثاً : أن يؤدي العمل بإتقان وإحسان كما قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه) .

رابعاً : أن يلتزم الإنسان بالعمل المشروع حدود الله ، فلا يظلم ولا يخون ولا يغش ولا يجور على حق غيره.

خامساً : ألا يشغله عمله الدنيوي عن واجباته الدينية قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .

إذا راعى المسلم هذه الأمور كان في سعيه عابداً وإن لم يكن في محراب العبادة متبتلاً إلى الله تعالى .

فعلينا أن نصحح مفاهيمنا ووجهتنا حتى تكون كل حياتنا عبادة ونصبح مشدودين إلى كل ما نؤديه في هذه الحياة الدنيا من أعمال ، لأننا نقوم بها بنية العابد الخاشع مما يدفعنا إلى الاستكثار من كل عمل صالح.

إن من أعظم المواسم المباركة وأجلِّها والتي ينبغي علينا اغتنامها شهر رمضان المبارك الذي أُنزل فيه القرآن المجيد , وحري بنا أن نؤدي العبادات المرتبطة بهذا الشهر الكريم مراعين شروطها ومستحباتها وآدابها ، ولا ننشغل بمفضول عن فاضل , ولا بفاضل عما هو أفضل منه لئلا يفوتنا الخير العظيم .

لقد كان من هدي النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أن يبادر عند حلول شهر رمضان إلى تذكير الناس ببركة هذا الشهر الكريم :

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان , صُفِّدت الشياطين ومردة الجن , وغُلِّقت أبواب النار , فلم يُفتح منها باب , وفُتحت أبواب الجنة , فلم يغلق منها باب , وينادي منادٍ : يا باغي الخير أقبل , ويا باغي الشر أقصر , ولله عتقاء من النار , وذلك كل ليلة) .

وكان صلوات الله وسلامه عليه يقول لأصحابه رضوان الله عليهم في أول ليلة من رمضان: (أتاكم شهر رمضان , شهر مبارك , فرض الله عليكم صيامه , تفتح فيه أبواب السماء , وتغلق فيه أبواب الجحيم , وتُغَلُّ فيه مردة الشياطين , لله فيه ليلة خير من ألف شهر , من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ) .

علينا أن نبادر مع دخول شهر رمضان المبارك إلى التوبة الصادقة المستوفية لشروطها , ونكثر من الاستغفار لأنه شُرِعَ في استفتاح بعض الأعمال , قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً} .

علينا أن نجد في تعلم ما لابد منه من فقه الصيام وأحكامه وآدابه , والعبادات المرتبطة برمضان من اعتكاف وعمرة وزكاة فِطر ... وغيرها ، وأن نعقد العزم الصادق والهمة العالية على تعمير شهر رمضان بالأعمال الصالحة , وتحري أفضل الأعمال فيه وأعظمها أجراً ، وأن نستحضر أن شهر رمضان كما وصفه الله عزَّ وجلَّ هو أيام معدودات ، سرعان ما يولي ، فهو موسم فاضل ، ولكنه سريع الرحيل ، وأن المشقة الناشئة عن الاجتهاد في العبادة وتنويعها تذهب أيضاً ، ويبقى الأجر وشَرْحُ الصدر ، إذ أن الإنسان عندما يفرط في أوقات حياته تذهب ساعات لهوه وغفلته ، وتبقى تبعاتها وأوزارها ، وعلينا أن نتذكر ونحن مقبلون على شهر رمضان التنويع في أنواع العبادات فيه بما يوافق السنة الصحيحة له الأثر الفعال في طرد ما قد يطرأ على العبادة من صفة العادة والرتابة التي تضعف تأثير العبادة على قلوبنا ، وتعطل مقاصدها وأهدافها ، وعلينا أن نضع هذه القضية موضع اهتمامنا لتكون هدفاً منشوداً ، وأن نحاسب أنفسنا فيما يتعلق بها ، لنكون كلما عمدنا إلى عبادة من العبادات علينا أن ننأى بعبادتنا أن تكون حركات من غير وجدان وخضوع ومضامين إيمانية ومقاصد اجتماعية وخلقية .

رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com