» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي

المتأملُ لواقعنا الاجتماعي يمتلكه الأسى والشعور بالقلق الشديد من خطورة تفشي الكثير من المفاهيم غير الأخلاقية التي باتت تسيطر على العلاقات الإنسانية داخل مجتمعاتنا العربية، والتي أضحت تشكل أزمات اجتماعية تنخر في صميم الروابط الأسرية والعلاقات الإنسانية في شتى مجالات الحياة اليومية ، هذه المفاهيم الشائنة سادت في تعاملاتنا نتيجة طغيان النظرة المادية والنفعية وغيبة القيم الخُلُقية التي تدعو إليها الديانات السمحة ، وسيطرة مفهوم الأنا والنرجسية في النفوس والتحاسد والتباغض والغيبة والنميمة بدل مبدأ الإيثار على النفس والغبطة بما أوتي الآخرون ، وحفظ كرامات الغير في حضورهم وغيابهم، حتى اعتدنا أن نشهد وبشكل طبيعي سباقاً محموماً بين الأفراد بشتى مراتبهم أفقياً ورأسياً للفوز واغتنام كل ما هو ماديّ مهما رَخُصَ ثمنه أو قلّ حجمه ظل سيادة مفهوم (الغاية تبرر الوسيلة‏) و (أنا لا أكذب بل أتجمل) و (إن أردت أن تعيش في مجتمع الذئاب فعليك أن تكون مثلهم) ‏,‏ و (حتى تكون مهاباً مرهوب الجانب تعامل مع الغير بكل قسوة وبلا رحمة) و (طريقك إلى القمة مرهون بقدر ما تقدمه من تنازلات أخلاقية) و ( وطريقك إلى أن تسود مرهونة بمواهبك وقدراتك على الرياء والنفاق‏ والنيل من نجاح الآخرين) . ‏بمثل هذه المفاهيم الوصولية اللأخلاقية التي تحط من قيمة الإنسان كادت مجتمعاتنا أن تتحول من مجتمع أخلاقي إنساني راق إلى مجتمع أشبه بحياة الغاب .

لقد تضمنت سورة الحجرات آية كريمة نردد دائماً بعض ما جاء فيها في أكثر المناسبات والمواقف التي تمرّ بنا في حياتنا اليومية والتي ندرك معها أننا نواجه الكثير من الآفات الاجتماعية ، والاضطرابات في تغير المفاهيم ، وانحدار في القيم الخلقية .

يقول المولى تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} .

هذه الآية احتوت في منطوقها ومضمونها الكثير من الركائز الاجتماعية والأحكام الجليلة والآداب الرفيعة التي تنظم العلاقات بين المؤمنين ، وتبنى مجتمعاً إسلامياً قوياً متماسكاً يتكون من أفراد متآلفين متضامنين متعاضدين متحابين يظلّلهم مبدأ الأخوة الإسلامية ، وتجمع قلوبهم وشائج المحبة الإيمانية ، شعارهم المسلم أخ المسلم , وهو شعار أطلقه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون الأساس المتين الذي يقوم عليه كيان المجتمع الإسلامي .

نعم المسلم أخو المسلم ومن معاني هذه الأخوة أن يؤثر المسلم أخاه المسلم ويقدمه على نفسه ، وهذا نموذج من أرفع نماذج هذه الأخوة ، ودرجة من أعلى درجاتها ، وهي درجة الصحابة الكرام رضوان الله عليه أجمعين ، وهي الدرجة التي مُدِحَت بها الأنصار على وجه الخصوص في القرآن العظيم .

والمسلم الذي بلغ هذه المرتبة الرفيعة في علاقته مع أخيه المسلم ، وبلغ التي تليها وهي أن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، يكون قد حقق مرتبة الإيمان الحقيقي الكامل ، وهو إن لم يبلغ في تعامله مع أخيه المسلم حتى المرتبة الثانية فأقل ما يجب عليه أن يكفّ لسانه ويده عن أخيه المسلم ، فلا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ولا يسبّه ولا يغتابه ولا يلمزه ولا ينبذه ولا يحقره ولا يسيء به الظنون .

هذه السلوكيات من واجبات المسلم على أخيه المسلم ، وبدونها لن يكون إلا التشتت والتفرق والتحاقد وتمزق الصفوف وتباغض القلوب وتقويض العلاقات الاجتماعية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ، أي المسلم الحقيقي الصحيح الإسلام هو من هذا حاله وشأنه ، لأن من معاني الإسلام السامية الأمان والسلامة ، والإنسان بدخوله في الإسلام يسلم من يد المسلمين وألسنتهم , يسلم ويأمن على نفسه وعلى دمه وعلى ماله وعرضه كما أن الآخرين يأمنونه على أنفسهم وعلى دمائهم وعلى أموالهم وعلى أعراضهم ، والإسلام يكون بهذا فد أحاط الإنسان المسلم بسياج من الأخوة الحقيقية والأمن والسلام ، ومن لم يسلم المسلمون ويأمنون على أنفسهم وعلى دمائهم وعلى أموالهم وأعراضهم فإن في إسلامه خللاً كبيراً وفي إيمانه نقصاً خطيراً .

وإن سوء الظن من أشد الأمراض الاجتماعية فتكاً بالأفراد والجماعات ، ومن أشد الأجواء الاجتماعية إفساداً للمجتمع المسلم وتمزيقاً لصفة وهدماً لكيانه ، ويحتاج منا إلى وقفة تأمل وتدبر واتعاظ لبيان شديد فتكها وخطرها على العلاقات الإنسانية التي حرص الإسلام على أن تكون على أحسن صورها سائدة بين المسلمين لأن (إنما المؤمنون إخوة) . عن عمر الفاروق رضي الله عنه قال : (لا تظنن بكلمة من أخيك إلا خيراً وأنت تجد لها محملاً على الخير) ، وذلك لأن المسلم الأصل فيه أنه لا يريد بأخيه المسلم إلا الخير ، فإذا صدرت منه كلمة أو موقف أو تصرف يحتمل احتمالات كثيرة ... الخير واحد منها ، فينبغي أن تحمل على الخير .

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ، وما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة من دمه وماله وأن لا يظن به إلا خيراً) .

وروى الإمام مالك بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) .

لقد تفشى سوء الظن بيننا ، وأصبح هو الأمر الذي يتحكم بنظرة البعض إلى الآخرين ، والمحرك لردات فعلهم تجاههم ، وأصبحت مع إساءة الظنون متاريس الحقد والتباغض والتحاسد تفصل بين العلاقات الإنسانية بدل وشائج عتاب المحبة والأخوة والتآلف والتناصح ، وتناسى البعض في أتون إساءة الظن الفضل والوفاء .

ينبغي علينا أن نعيد بناء فهمنا لقيم الخير ، وأن يعيش كل منا مع وجدانه وجوانيته ويصقل نفسه مجدداً بمعاني الأخوة والمحبة والتسامح والبر ، بدل أن يعزز في وجدانه وجوانيته شرور الكراهية والحقد الناتجين عن إساءة الظن بالآخرين لمجرد نقل فهم خاطىء أو وشاية أو كذبة أو ثرثرة من مُغرض موتور حاقد .

علينا نحن حملة أمانة التبليغ أن نوفر على أنفسنا الكثير من الجهود والطاقات من أن تبدد ، وأن ندرأ عن أنفسنا الكثير من المفاسد في حياتنا الاجتماعية بتأدبنا بالآداب القرآنية وامتثالنا بالتوجيهات النبوية، وتمسكنا بالقيم الخُلقية الإسلامية ، وغرس هذه الآداب والتوجهات والقيم في نفوس الناس ، ولن تجدي محاولات الغرس هذه إن لم تترافق الكلمات والدروس والخطب والمحاضرات عنها بممارسات وتطبيقات تدل على التزام وعمل وتطبيق من الداعين إليها ، وإلا وقعوا في المقت الكبير والخسران المبين لأنهم يقولون ما لا يفعلون .

رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان

» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com